العلاقات السعودية التركية.. جذور راسخة

مستشار إعلامي

الثلاثاء - 17 جمادى الأول 1438 - 14 فبراير 2017 - 09:13 صباحا ً
1
525

أكتب هذه المقالة، صبيحة وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للرياض؛ حيث الاستقبال الحافل من قبل خادم الحرمين الشريفين لفخامته، وأتذكّر استقبال فخامة الرئيس التركي لخادم الحرمين في أنقرة العام الماضي، والحفاوة البالغة التي قُوبل بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز من فخامة الرئيس ومن الشعب التركي الشقيق، سواء أثناء الزيارة الملكية الرسمية لأنقرة، أو الزيارة التي رأس فيها خادم الحرمين وفد المملكة لقمة دول العشرين في أنطاليا.

تأتي الزيارة الأبرز في تاريخ تلك العلاقة، والتي وصفت حينها بالتاريخية، وهي الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين، تلك التي قام بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز (يرحمه الله) إلى تركيا، في الرابع عشر من رجب 1415هـ، الموافق للثامن من أغسطس 2006م، التي كان من ثمارها التوقيع على ست اتفاقيات ثنائية بين البلدين. وقد أحدثت تلك الزيارة تغيّرًا جوهريًّا في العلاقة من حيث الأهداف والدلالات، إذ أسهمت تلك الزيارة في إعطاء قوة دفع أكبر نحو تأسيس شراكة استراتيجية بين البلدين، وإذ تعتبر هي الزيارة الأولى لملك سعودي منذ أربعين عامًا مضت؛ حيث اعتبرت المملكة العربية السعودية تلك الزيارة بأنها (ستفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين)، واعتبرتها تركيا بأنها (تاريخية، وستمثل نقطة تحول في العلاقات بين البلدين) .

هي بالفعل كذلك، إذ شهدت توقيع ست اتفاقيات ثنائية في كل جوانب التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي، ما فتح آفاقًا واسعة أمام القطاعين الحكومي والخاص للاستثمار والتعاون، وعقد الشراكات الاقتصادية الكبرى التي عملت على توثيق الصلات وتقوية الروابط بين الشعبين، وقد أدّى ذلك الواقع العملي في التعاون بين البلدين في كل تلك الجوانب الحيوية إلى تشابك المصالح على كل المستويات الدنيا المتمثلة في شبكة رجال الأعمال والشركات والقطاع الخاص، ومن ثم على المستويات العليا المتمثلة في رعاية الدولتين لهذه المصالح، وتسهيل سبل الاتصال واللقاءات وعقد المؤتمرات.

لا شك في أن ذلك التزايد في الأنشطة الاقتصادية قد مهّد لوجود تقارب استراتيجي على المستويين السياسي والاقتصادي بين البلدين، كما أسهم ذلك التقارب في تطوير الشراكة لتصبح أكثر استراتيجية بمفهومها الواسع، المتمثل في التعاون على كل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية.

وكانت النقلة النوعية الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين بوصول الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الحكم، فعمل على تطوير تلك العلاقات إلى آفاق وصفها المراقبون بأنها الأوسع في تاريخ المنطقة، وخاصة أن أكثر ما كان يبعث على التفاؤل في تحسن العلاقات التركية- السعودية، أن الملك سلمان بن عبدالعزيز، هو من تولى ملف العلاقة مع أنقرة حين كان وليًّا للعهد ووزيرًا للدفاع، ولعلّ زيارته الشهيرة إلى أنقرة في مايو من العام 2013، هي ما أسس القاعدة الصلبة للعلاقات بين البلدين، إذ وقّع آنذاك اتفاقية للتعاون الصناعي- الدفاعي بين البلدين، ما أسهم في تشكيل تطابق في الرؤى الاستراتيجية؛ خاصة في ما يتعلق بأمن واستقرار المنطقة والحرب على الإرهاب، وهما الهاجس الأكبر الذي يؤرق قيادة البلدين. كما شكّلت الأحداث الإقليمية والتحولات في المنطقة العربية -وخصوصًا في اليمن وسوريا وليبيا- دافعًا كبيرًا في التقارب بين البلدين.

ففي المجال السياسي، تتسم مواقف البلدين بالتنسيق والتشاور وتبادل الآراء في ما يخص القضايا ذات الاهتمام المشترك، وأولى البلدان بوصفهما جزءًا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، قضايا الأمة جلّ اهتمامهما، من منطلق إيمانهما بعدالة هذه القضايا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما يمتلك البلدان دورًا فاعلًا في منظمة التعاون الإسلامي.

وعلى صعيد التعاون العسكري، شهدت العلاقات نقلة نوعية وتعاونًا متناميًا، فقد وقَّعت شركة "أسيلسان" التركية للصناعات العسكرية الإلكترونية، والشّركة السّعودية للتّنمية والاستثمار التّقني الحكومية "تقنية"، اتفاقًا لتأسيس شركة مشتركة للصناعات الدفاعية الإلكترونية المتطورة في المملكة العربية السعودية.

وتهدف الشركتان -من خلال مساهمة قدرها 50% لكل منهما- لتأسيس شركة للصناعات الدفاعية الإلكترونية المتطورة في المملكة، لصناعة وتصميم وتطوير الرادارات، ومعدات الحرب الإلكترونية، والرؤية البصرية، وسدّ احتياجات المملكة والمنطقة من هذه المعدات.

كما شاركت تركيا في مناورات "رعد الشمال"، التي أجريت شمالي السعودية خلال الفترة من 27 فبراير ولغاية 11 مارس الماضيين، بمشاركة قواتٍ من 20 دولة، إضافةً إلى قوات درع الجزيرة، التي وُصفت بأنها من أكبر التمارين العسكرية بالعالم.

وقد أنعكس ذلك التقارب بين الرؤى الإقليمية والسلوك الخارجي للمملكة وتركيا، إيجابًا على العلاقات الثنائية بين البلدين على المستوى الاقتصادي والتجاري.

فقد نجح المستثمرون السعوديون في الحصول على مكانة متميزة في الاقتصاد التركي، بينما استفاد المستثمرون الأتراك من مشروعات البنى التحتية الكبرى، التي يجري العمل على تنفيذها في المملكة، وكان أبرزها مشروع تجديد وتشغيل مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز، بالمدينة المنورة، بالشراكة مع شركة سعودية.

وشهدت الفترة القريبة الماضية، توجُّه أعداد من السعوديين بصفة خاصة، لشراء العقارات في تركيا، بينما يزور المملكة سنويًّا مئات الآلاف من الأتراك بغرض الحج أو العمرة، إضافة إلى العاملين الأتراك في مختلف القطاعات بالسعودية، والذين بلغ عددهم أكثر من 100 ألف مهني وإداري في القطاع الخاصّ.

هذا وقد زاد حجم التبادل التجاري بين الدولتين، عدة مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، والذي ارتفع من 5 مليارات ريال إلى 22 مليار ريال في العام 2014، أي ما يعادل 5 مليارات دولار.

ووفقًا لتقارير رسمية صادرة عن وزارة التجارة والاستثمار السعودية، فقد بلغ عدد المشاريع المشتركة بين البلدين حوالي 159 مشروعًا، منها 41 مشروعًا صناعيًّا، 118 مشروعًا في مجالات غير صناعية تختلف باختلاف نشاطاتها، وبرأسمال مستثمر يبلغ مئات الملايين من الريالات.

ويعمل مجلس أعمال سعودي تركي، يضمّ رجال أعمال من البلدين، على دعم وتنشيط وتشجيع العلاقات التجارية بين البلدين.

ويرى باحثون اقتصاديون ومحللون، أن أوجه التعاون بين السعودية وتركيا سيكون أكبر بكثير مما هو موجود الآن، نظرًا لما تتمتعان به من آفاق واسعة للتبادل التجاري، في الساحة الاقتصادية الدولية، حيث يمكن للمملكة أن تمثّل شريكًا اقتصاديًّا قويًّا ومضمونًا لتركيا في ظلّ التقارب بين البلدين، والعلاقات المتميزة التي تصاعدت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والرئيس أردوغان الذي يسعى لتعزيز علاقات بلاده مع المحيط الإقليمي والدولي.

إن العلاقات بين السعودية وتركيا من الأهمية بمكان، نظرًا لما تمتلكانه من قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مؤثرة بشكل كبير في ميزان القوى بالمنطقة، ولكونهما الدولتان السنيتان الأكثر أثرًا في منع التمدد الصفوي في مناطق كثيرة، وخاصة في القارة الإفريقية، وقد نجحت الدولتان بالفعل في طرد النظام الصفوي من أكثر من دولة إفريقية.

التعليقات

أرسل

تم استلام تعليقك، نشكر لك مساهمتك، سيتم نشر التعليق بأقرب وقت ممكن
ساهم بإضافة تعليق جديد
By submitting this form, you accept the Mollom privacy policy.
سكري بريدة's picture
سكري بريدة

يقول الكاتب الكويتي البارز فؤاد الهاشم ( كنت في معية أمير الكويت حين توجه لدمشق لزيارة سوريا بشار . في الليلة الأولى لسكننا في الفندق تم قطع الكهرباء عنه وحين سألنا عن السبب قالوا إن مكائن الكهرباء في العاصمة دمشق قديمة وتحتاج لصيانة . فهم الأمير الرسالة ( الشحاذة ) وأمر بتبرع الكويت لقطاع الكهرباء السوري بمولدات جديدة ) لماذا تذكرت هذه القصة في موضوع العلاقات السعودية التركية ؟ هناك دول ليس لك منها سوى القلق والشحاذة والتسول وحين يجد الجد تجدهم ألد أعدائك مثل سوريا ويمن علي عبدالله صالح ولبنان والأردن . في الشرق الأوسط عليك أن لاتضيع وقتك مع الصغار وأنت كبير بموقعك الإسلامي والإقتصادي والإستراتيجي . هناك 3 دول أهم من علاقاتك مع دول الغرب ويجب أن يصل التنسيق معها للأفضل وهي باكستان وتركيا ومصر . والعلاقات معها مهمة وحتمية للطرفين ومهما وضعت فيها ثقلك فلن تخسر على المدى البعيد . مع دولة كتركيا أنت لاتضيع وقتك ومالك سدى .