د. عبدالله القفاري
عدد الآراء :16
الاثنين - 01 ذو القعدة 1438 - 24 يوليو 2017 - 02:25 مساءً
0
7566

أن يرحل إنسان من الدنيا لا شك أنه يولّد الإحساس بالحزن فيمن حوله، فها هو الحبيب عليه الصلاة والسلام يقول: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

وكلما كان الراحلون أقرب إليك، كان الحزن أشد والألم أقوى عليك.

اليوم يسطر قلمي رحيل إنسان خالف هذه النظرية، يرحل إنسان لم أره في حياتي، وهي امرأة ليست أيضًا محرمًا من محارمي، ورغم هذا كان رحيلها صدمة هزتني من أعماقي، عندما قرأت رسالة الوتساب التي وصلتني حاولت أن أُعيد قراءتها أكثر من مرة، حاولت أيضًا تجاهلها، لكن هل نستطيع أن نمسك العين عن أن تتأكد من مثل هذه الأخبار؟!

فجأة تأتيني رسائل كثيرة متتالية تنقل الخبر وتتضرع بالدعاء.

حينها تأكدت أن الخبر حقيقة، وأن قدرة الله نافذة، والبقاء لله وحده.. "كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة".. "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام".

حينها تذكرت أن رحيل "أم محمد العثيم" وهي بنت العم نوال القفاري وحرم صديقنا وحبيبنا د. أحمد العثيم، ليست أول من يرحل من الدنيا قطعًا، نعم ليست أول من يرحل، ولكنها أول امرأة أشعر أن قلمي يدفعني لأسطر كلمات عن رحيلها.

صبرًا أبا محمد..

بيت أم محمد بيت عامر بالكرم، عرفه كل زائر إلى لندن، بيت عامر بالضيوف لا يكاد يمر يوم بدون ضيف، واجتماعات أسبوعية ضخمة في ديوانهم العامر يستقبل الضيوف من كل الجنسيات العربية والإسلامية، إنها زوجة عميد الكرم في لندن الدكتور أحمد العثيم الصديق العزيز على قلوبنا جميعًا الذي طالما ذكر أم محمد بالحب والوفاء والتقدير والاحترام.

ما أشبه الليلة بالبارحة..

رحيل أم محمد الكريمة بنت الكريم فاجعة كبيرة للكثيرين، وما أشبه اليوم بالبارحة، لقد ذكرني رحيلها برحيل والدها العم الكريم جربوع القفاري -رحمه الله- قبل عقد من الزمن في حي الملز بالرياض حينما تفاجأ الناس بوفاته في إحدى المناسبات العامة، حينها هزّ خبر وفاته الجميع وتوافد الناس إلى جنازته من كل حدب وصوب.

مدرسة في الوفاء:

أم محمد تحمل في قلبها المتعب من الآلام التي طالما جعلتها تتردد على الأطباء منذ ولادتها إلى أن فارقت الحياة، ومع ذلك فهي تحمل فيه الكثير من الحب للناس الحب غير المتصنع للأقارب، الحب للجيران، الحب للصغار، الحب للمحتاجين. مدرسة في الحب.. مدرسة بالتفاؤل.. مدرسة بالصبر على المرض الذي لازمها كثيرًا.. مدرسة بالصبر على الغربة.. على فراق الأهل والوطن.. مدرسة بحب الناس.. وإقامة المناسبات احتفالاً بالآخرين.

القلب الكبير:

أم محمد لها قلب كبير كالقصر الجميل، وصفته في أحد تغريداتها بكلمات تكتب بماء الذهب، فها هي تقول:

"‏سبحان الله، منذ عرفت نفسي وأنا أعلم أن القلب أربع غرف.. ولكني اكتشفت أنه فندق كبير، وكلٌ له مكانه، ولكن هناك من لهم غرف، وهناك من لهم أجنحة فاخرة".

الذكر الجميل:

أم محمد رحلت عن هذه الدنيا ولكن لم يرحل ذكرها الجميل عند مئات من البشر، عرفوها من قريبات وصديقات ومحتاجات وقفت معهن في غربتهن! واحتفلت بكثير منهن.. كيف لا وهي من جعلت بيتها ضيافة "5 نجوم" لمن يزورها أو يحتاجها في كل وقت وحين!

كيف ينساها أناس رسمت في وجوههم الابتسامة.. التفاؤل.. الأمل.. التواضع.. البساطة.

لهذا كله كانت تقول في إحدى تغريداتها:

"‏عندما تغيب شمسي هناك ناس سيذكرونني.. أسأل الله أن يذكروني بالخير ويدعون لي دعوة مجابة".

يا رب ارحمها وتقبلها عندك في الصالحين.

وتقول مرة أخرى:

"‏اشياء صغيرة تجعلني أسعد الناس كفنجال قهوة مع من أحبهم". شيء جميل من التواضع يكسو حياتها مع الآخرين، لهذا أحبها الكثيرون.

تغريدات مودع:

أم محمد بعد رحيلها أجبرتني على الذهاب وقراءة كل رسائلها في تويتر، فزاد عجبي مما سطّرت يداها!

شي مذهل.. كل ريتويت كتبته حكمة أو درس أو قاعدة تربوية، لم أجد كلامًا غير مفيد، لم أجد هجومًا على أحد، لم أجد مجادلاتٍ أو مهاتراتٍ .. بل لم أجد شيئًا فضوليًّا.. كل ما سطرت يداها كان جميلاً ومفيدًا يستحق أن يطبع على شكل كتيب بعنوان *"ريتويتات أم محمد.. حكم وقواعد وقوانين للحياة"*

حتى تاريخ المسلمين لم تنسه وهي تتذكر الرحيل من الأندلس حين قالت: "‏ماذا تعرف عن ٣ من يناير.. هو آخر يوم لحكم المسلمين في الأندلس وقد خرج عبدالله منها باكيًا فقالت أمه: "ابكِ كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال".

التفاؤل والأمل:

الذي يتصفح كتاباتها يعلم أنها تتصف بالتفاؤل والحب والأمل والاهتمام بالعلاقات المفيدة والنصح والتعلق بالله والدار الآخرة وخدمة الاخرين فها هي تقول:

"‏نظرتك الإيجابية لما يجري حولك تغير حياتك للأسعد.. والعكس صحيح"‏.. "الإنسان هو من يصنع سعادته.. وهو من يتوهم تعاسته".

"‏ياااااارب قلبي مليء بناس أحبهم، فإنا نستودعك إياهم فاحفظهم من الشر يا رب"‏. ثم تقول أيضًا:

"اللهم احفظ أهلي وأحبابي وأسرتي (زوجي وأبنائي) وأصحابي وكل من له حق علي.. ياااااارب".

ثم تؤكد على الحب والعطف الذي هو سجية من سجاياها فتقول: "‏احضنوا من تحبون، اسكبوا عليهم من جميل الكلام، ما يغرقون به حَدّ الفرَح، فسيأتي يوم تتمنوا لو يعودون".

وصية مودع:

وأخيرًا سطرت بيديها أسطرًا جميلة كأنها وصية مودع وكأنها تقول: إني راحلة إلى ربي سيهدين.. إلى أبي وجدي وأحبابي الذين رحلوا.. فها هي تقول:

"اللهم إني استودعتك نفسي وقلبي وأبنائي وزوجي وكل أحبابي".

ثم تقول:

"اللهم ارحم أبي

اللهم ارحم أبي

اللهم ارحم أبي

ونور قبره، واجعله روضة من رياض الجنة، فإنه بين يديك يا أرحم الراحمين".

وتسطر يديها بالحمد والشكر والثناء لربها:

"‏اللهم ارزقني ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

"‏يااااارب لاتقبضني إليك إلا وأنت راضٍ عني".

اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا.."

الختام والأمنيات:

ثم تختم كتاباتها وتعلق آمالها بربها فتقول:

"‏اللهم علّق قلوبنا برجائك، واقطع رجاءنا عمن سواك".. "‏من توكل على الله كفاه".

ثم تناجي ربها بشيء لم تُفصح به وكأنها تقول يا رب اشتقت إليك.. طال الفراق.. يا رب أنا أحبك.. يا رب أتمنى أن أحيا في جناتك ثم تكتب وتنادي وتقول:

"يااااااااارب

في خاطري شيء أعجز عن شرحه ولكنك أعلم به".

ثم تناجي ربها بهذا الدعاء: "‏اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم".. "‏اللهم ظلّل علينا يوم الحشر".

شكرًا ربي:

ثم تشكر ربها على نعمه عليها في هذه الدنيا فتقول:

"‏غارقون بنعمك يا الله.. فارزقنا شكرها".. "من أعظم نعم الله أن تصبح وتمسي وأنت معافى فهذه النعمة لا يدركها إلا من يفتقدها".

"الحمد لله عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"

ثم تطلب منه الغفران فتقول:

"أستغفر الله من ذنوب نسيتها وقد كُتبت في صحيفتي، أستغفرك ربي وأستغيث برحمتك وغفرانك.."

ثم تلخّص حياتها قبل رحيلها بكلمات:

"اللهم جمّلني بقلب رحيم وعقل حكيم ونفس صبورة، يا رب اجعل بسمتي عادة وحديثي عبادة وحياتي سعادة وخاتمتي شهادة".

أمنيات وابتهالات:

ثم تتمنى الختام الجميل فتقول:

"ياااااارب لقني الشهادة"

بعدها تطلق صرخة إلى باريها وكأن ختامها مسك بعد حياة من الإنجاز والألم والأمل تنادي بأمنيات لها فتقول:

"‏يااااارب لا تقبضني إليك إلا وأنت راضٍ عني".

"‏يااااارب جنة بلا حساب ولا سابق عذاب"

‏اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم

‏اللَّهُمَّ إني أسألك النعيم يوم القيامة والأمن يوم الخوف".

‏وبعد كل هذه الأمنيات تختم في آخر تغريده لها قبل رحيلها وتوكد طلبها من ربها وتقول:

"يأتي بها الله إن الله لطيف خبير"

ما أجمل هذه الحياة لامرأة صابرة صادقة بارة بوالديها محبة لمن حولها حاضرة بقلبها مع زوجها وأولادها في كل باب خير أو صلة أو معروف.

فهنيئًا لك أبا محمد بهذه الزوجة الصالحة، وهنيئا لكم "محمد وأبرار وعبدالله ولين" بهذه الأم المثالية، وهنيئًا لأسرة القفاري أن تكون هذه المرأة من أفرادها.. وهي التي أحاطت الجميع بالحب والقلب الواسع على ما كانت تعاني منه من الألم المخلوط بالأمل.

وختامًا.. أحسن الله عزاءكم، وعزاؤنا جميعًا وجبر مصابكم ومصابنا جميعًا، وإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ورحم الله أم محمد وأسكنها فسيح جناته وصبر أسرتها وأحبابها جميعًا على فراقها.

السبت - 15 رمضان 1438 - 10 يونيو 2017 - 06:52 مساءً
1
1170

البيئة والمجتمع المحيط من أهم عناصر النجاح أو الفشل لأي فرد في هذه الحياة..

الأفراد المحيطون بالإنسان يمكن أن يدفعوه إلى الأمام أو يصعدوا به إلى السماء كما يصعد المصعد بالراكب إلى أعلى ناطحات السحاب..!

وفي الجانب الآخر يمكن للمحيطين بالإنسان أن يسحبوه إلى أسفل سافلين، كما يسحب الثور الهائج صاحبه إلى خارج الحلبة دون تفكير أو وعي.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".

فالصاحب ساحب

قال يحيى بن سعيد القطان: لما قدم سفيان الثوري البصرة جعل ينظر في أمر الربيع بن صبيح السعدي وقدره عند الناس، فسأل أي شيء مذهبه، قالوا ما مذهبه إلا السنة، قال من بطانته، قالوا أهل القدر، قال هو قدري.

قال عبد الله بن مسعود، إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله.

لهذا تحدثت الأديان وتحدث المهتمون في الماضي والحاضر عن أهمية اختيار الأشخاص المحيطين بك سواء أردت النجاح أو أردت الفشل.

المحيطون بك إما أن يشجعوك على النجاح والعمل.. والجد والاجتهاد.. والإبداع والابتكار

وإما أن يكونوا دافعا لك إلى الفشل، وذلك عندما يسخرون بك أو بكل فكرة تبديها لهم، فيبقونك في دائرة الفشل دون أن تشعر.. أو ما تسمى عند علماء السلوك "بمنطقة الراحة".

وكلما حاولت الانطلاق سحبوك إلى حيث كنت "مكانك راوح" كما يقال..!

إما بالسخرية مرة.. أو بالضحك مرة أخرى..  وإما بلباس النصح والتخويف والتحذير وتقديم النماذج الفاشلة، والأفكار السوداوية السلبية أمامك، كي يثنوك عن أي خطوة ربما تخطوها إلى الأمام.. "فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة.. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة" متفق عليه

قال الشاعر العربي:

عدوى البليد إلى الجليد سريعة...

كالجمر يوضع في الرماد فيخمد

لهذا يقول ابن عطاء السكندري رحمه الله: "اعلم أن المجانسة تكون بالمجالسة، إن جلست مع المسرور سُرِرت، وإن رافقت الغافلين غفلت، وإن جلست مع الذاكرين ذكرت، وإن صاحبت النائمين نمت.. فلذلك قال الله لمريم: "وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ".

حتى في الآخرة الجليس مع الجليس يقول الله عز وجل في الحديث القدسي "أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي".

الصاحب ساحب

احذر من مجالسة من يحمل صفات السلبية، وكثرة الخوف وزيادة القلق والتهويل في كل الامور.. وهو يتصف بالسوداوية المقيتة، في كثير من نظرته للأمور ..أخباره لا تتجاوز أعداد الموتى يوميا ..وأعداد مرضى السرطان ..وعدد المسجونين بسبب الديون .. وأخبار المجازر والحروب.. إلى آخر ما في قائمته السوداء الطويلة التي لا يمل من تكرارها يوميا على من حوله.

لهذا عليك بصحبة كل ناجح شق طريقه دون خوف أو قلق، ينظر إلى الأمور بإيجابية ويعمل بجد دون كلل أو ملل، ينظر إلى العالم نظرة المتفائل ..لا تعوقه النكبات ولا توقفه المطبات، ولا يشعر باليأس.. متفائل في كل أموره يشعرك بالسعادة مهما كانت الظروف.. مبتسم للحياة مهما كانت النتائج، ينظر إلى المصائب على أنها تنشيط لدورة الحياة ليس إلا.

الصاحب ساحب

ومما يوكد أهمية المجالسة والمصاحبة ما أكده العلماء عبر كثير من فرضيات نظرياتهم العلمية، حيث تشير كثير منها إلى خطورة المجتمع المحيط في تشكيل سلوك الإنسان، ومن ذلك ما ذهبت إليه أشهر نظرية في عالم الجريمة والانحراف وهي نظرية "الاختلاط التفاضلي" والتي ظهرت عام 1939م للعالم الأمريكي "أدوين سذرلاند" حين خرجت بنتيجة أن السلوك الإجرامي سلوكًا مكتسبًا أو متعلمًا، وليس وراثيا بل يتعلم من خلال الاختلاط بأشخاص آخرين..

لهذا كانت العرب تردد:

 عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي..

وقد أرشد النبي، صلى الله عليه وسلم، لذلك حين قال: «لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي»

 قــــــال مالك بن دينار رحمه الله : الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبط مع البط، والصعو مع الصعو، وكل إنسان مع شكله.

الصاحب ساحب

لهذا إذا كنت مع أصحاب العقار فسيكون اهتمامك بالعقار، وإذا كنت تجالس أصحاب الرياضة فاهتمامك سينصب عليها.. وإن كنت مجالسا لأصحاب الأسهم فحديثهم وحديثك عنها، وإن كنت مع أصحاب الكتب والمكتبات فكذلك سيكون كثير من تفكيرك منها وفيها..

وإذا كنت مع من يسهرون حتى منتصف الليل فأنت كذلك ستكون منهم، وإن كنت تجالس من ينام في النهار فأنت كذلك.. وهكذا المجتمع المحيط..

لهذا أقول لك: قل لي من تجالس..؟ وسوف أقول لك ماهي اهتماماتك وما هو مستقبلك..!

لا يمكن أن تفكر أن تكون عقاريا مميزا وأنت تجالس تجار بيع الحمام.. ولن تكون ناجحا في تجارة الإبل مثلا وأنت تجالس أصحاب الكتب والثقافة والعكس صحيح .. لهذا كله لن تكون جادا مبدعا وأنت تجالس إنسانا محبطا يتألم من كل شيء..! ولن تكون فاشلا وأنت تجالس إنسانا مبدعا ناجحا يقدم لك تجاربه ونصائحه.

فالأول يعطيك طريقا مظلمة مليئة بالمطبات والحفريات.. والثاني يقودك إلى طريق مضيء معبد خال من الحفريات والمطبات.. فأيهما سيوصلك بسلام دون أي انحراف عن الطريق ..

لاشك أن السلامة تأتي من السليم والمرض يأتي من المريض.

وأخيرا:

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

 

الخميس - 23 رجب 1438 - 20 أبريل 2017 - 05:20 مساءً
4
4476

النجاح في الحياة ليس طريقا صعبا كما يتخيله الكثير من الناس خاصة من فئة الشباب، بل النجاح مهارة وعلم يمكن الحصول عليه من الجميع من عدة مصادر بشرية وعلمية.

 للأسف.. إن الكثير من الناس حينما يتحدثون عن النجاح، لابد أن يتحدثوا أولا عن كثير من العقبات التي يرونها في طريقهم ويعتبرونها سدا منيعا بينهم وبين النجاح.. لكنهم نسوا أو تناسوا أن العقبة الوحيدة والأهم في طريق النجاح.. هو الإنسان نفسه في مدى قناعته بقدراته ومدى ثقته بنفسه ومدى التزامه بقوانين النجاح، أضف إلى ذلك كله مدى جديته في السير حتى آخر رمق في طريقه إلى النجاح.. إذا التفكير بالنجاح ليس الأهم في طريقنا للنجاح.. ولكن الأهم من ذلك هو مدى قناعتنا بقدراتنا والتزامنا بالسير في هذا الطريق أو ذاك دون النظر إلى أي عدد من المعوقات التي قد تحدث في طريقنا، الكل يعلم أن الطائرة لا يمكن أن تصل بسلام دون أن يزعج صوتها الركاب في الإقلاع ويزعجهم صوتها وارتجاجها في الهبوط ويزعجهم اهتزازها- كذلك- عند المرور على المطبات الهوائية فوق السحب والمحيطات والمرتفعات الجبلية، لهذا كله يقوم قائد الطائرة باستدعاء جميع الركاب للعودة إلى مقاعدهم وربط الأحزمة وإعادة الطاولات إلى مكانها الطبيعي ورفع أي أغراض شخصية إلى الأدراج العلوية وإغلاقها بإحكام، كل هذا من أجل أن يطمئن قائد الطائرة على الركاب وأن يمر بهم بسلام عبر هذه المعوقات دون أن يتأذى أحد منهم وكي تصل الطائرة بنجاح.

 هكذا هي حياتنا- أيضا- في الطريق إلى النجاح، أيًا كان مجالك وأيًا كان هدفك، لابد من المعوقات في طريقك.. لهذا لزاما عليك أن تتعامل معها بحزم وإتقان في الوقت المناسب والمكان المناسب والحرص كل الحرص على التخطيط وتحديد الأهداف دون ضجر أو ملل، لا يمكن أن تتحسن حياتك وتتحقق أهدافك دون أن تحسن من نفسك ومن قناعاتك، لابد أن تسأل نفسك هذا السؤال: لماذا نجح البعض من حولي في تحقيق أهدافهم بينما أنا رسبت أو رسب آخرون في تحقيق تلك الأهداف، مع أن كثيرا من الذين نجحوا حولي ليسوا أحسن مني في مهاراتهم ولا في ذكائهم ولا في قدراتهم..؟ إذن ماذا يتميزون به عني ..؟ ليس هناك سر للنجاح وليس هناك خلطة سرية للنجاح، بل هناك مفاتيح من تعلمها أصبح لديه القدرة على فتح أقفال النجاح، ومن جهلها سيبقى حبيس الأوهام والمعوقات.

 العلم اليوم متاح للجميع وبكل يسر وسهولة لكننا في كثير من الأحيان لا نلقي أي اعتبار، لقد تكلم المهتمون بعلم الإدارة والتنمية البشرية عن أهم العوامل التي تجعل البعض ينجحون في الوصول إلى أهدافهم بينما يرسب الكثيرون وتبقى أهدافهم في عالم الأحلام وذلك بسبب تخيلهم لعشرات الأعذار والمعوقات في طريقهم.

 ‏لهذا أيها القارئ الكريم، نحن بحاجة إلى معرفة أهم هذه المفاتيح الذهبية في طريقنا إلى النجاح:

1- يجب أن تقرر ماذا تريد؟ وما هي الضريبة التي أنت مستعد لدفعها، سواء من وقتك أو جهدك أو مالك للوصول للنجاح وتحقيق أهدافك..؟ يقول "بنكر هنت": لكي تصبح ناجحا، عليك أن تقرر  ماذا تريد أن تحقق بالضبط، ومن ثم تعمل على دفع ثمن تحقيقه.

2- الثقة بالله- عز وجل- والدعاء والإلحاح إلى ربك يوميا، قال اللهُ جلَّ وعز في الحديث القدسي، "أنا عند ظنِّ عبدي بي إن ظنَّ خيرًا فله، وإن ظنَّ شرًّا فله".

 قال عليه السلام، (ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع).

3- الإيجابية والثقة في النفس، وأنك قادر على تحقيق ما تريد فالله- عز وجل- خلق لك كل ما تحتاجه من قدرات للنجاح كبقية الناجحين، يقول "براين تريسي"، الناجحون عندهم عادة التوقع الإيجابى قبل حدوث الحدث.

4- تذكر أن كل شخص ناجح اليوم، كان يوما من الأيام يتمنى أن يكون ناجحا ويتعجب من الناجحين كيف نجحوا، لهذا لابد من الجدية والاجتهاد والإصرار على التنفيذ والسير في طريق النجاح، مهما كانت البدايات صعبة وربما غير جيدة أو سيئة لكنها سوف تتحسن مع بذل الجهد ومزيد من الوقت كما يقول "توماس إديسون": النجاح هو 10% من الإلهام و90% من العرق.

5- لا تشاهد العقبات التي في طريقك فقط، وتذكر أن أي عقبة تشاهدها أن هناك فرجة بجوارها، تساعدك لتجاوز هذه العقبة فحاول أن تشاهد هذه الفرجة، لهذا احرص كل الحرص على التفاؤل كل يوم مهما كانت المعوقات يقول "ستيفن كوفي"، الأشخاص الأكفاء لا يركزون على المشاكل بل على الفرص ويقول آخر، شكرًا للأشواك علمتـني الكثير.

6- عدم مقارنة ذاتك مع أحد من الآخرين، واعتبر نفسك قادرا على النجاح مهما كلف الأمر، فالنجاح هو إيمان ورغبة واعتقاد بقدراتك على الوصول لأهدافك والنجاح في تحقيقها، فالأهداف بدون رغبة قوية، أهداف خاملة ميتة ليس فيها روح وتذكر أن القيود أنت الذي تضعها لنفسك ويمكنك أن تتحرر منها بنفسك متى قررت ذلك.

7- تجاهل المحبطين من حولك والحرص على مجالسة المشجعين لك، فالتشجيع عامل أساسي للتفوق، لما يتركه من أثر في نفسك لغرس الثقة وتفعيل آليات التحفيز والتنافس عن طريق كلمات الإعجاب والإطراء ممن حولك.

8- فن الاتصال الفعال مع الآخرين،  والحرص على إقامة علاقات ناجحة ومميزة، سواء داخل أسرتك أو خارجها، وهذا أساس مهم في تحسين تواصلنا مع العالم من حولنا.

9- الحرص على مجالسة المهتمين والمتخصصين والناجحين، من أجل أن تحصل على طرق النجاح التي ساروا عليها وعلى كثير من المعلومات والعلاقات التي تخص مجالك، واحذر من الغرور الذي يمنعك من الاستفادة منهم بحجة أنك قادر على فهم الأمور بنفسك.

10- تعلم قوانين وفن إدارة المال، فأنت ستحتاجه كثيرا في حياتك، لهذا لابد أن تتعلم طرق كسبه وكيفية المحافظة عليه دون أن تدخل في مشاكل مع مصادره.

11- أن يكون لديك طموح عالٍ وأهداف قيمة مكتوبة وواضحة وذكية يمكن قياسها وتطبيقها، ثم التركيز ثم التركيز ثم التركيز عليها، وحينها سيتغير كل شيء في طريقك، يقول أحد العلماء، الناس التي لديها أهداف تنجح لأنها تعرف إلى أين هي متجهة مهما كانت المعوقات.

12- الثقة بأنه يمكن أن تجيد أي شيء تحتاجه في طريقك للنجاح، وذلك عن طريق الحصول على العلم  وتطوير الذات بالقراءة والمشاهدة عبر يوتيوب والالتحاق بالدورات التدريبية المتخصصة وعن طريق استشارة الخبراء والمدربين في مجالك.

13- تعلم كثيرا من المهارات التي تحتاجها لإدارة النجاح، ومنها إدارة الضغوط وإدارة الوقت والأولويات وفن التسويق والقيادة وإدارة الفريق وحل المشكلات والقدرة على التخطيط وفن التفاوض وغيرها.

14- كتابة الخطة طريق مهم وواضح المعالم للوصول للنجاح، يقول "جيم رون"، النجاح هو 20% مهارة و80% استراتيجية .. قد تعرف كيف  تقرأ ولكن الأهم، ما هي خطتك للقراءة؟

15- اكتب قائمة بأعمالك اليومية كل مساء للقيام بها في الغد، وراجع خططك باستمرار وتابع تنفيذها وتقويمها.

وأخيرا..

تذكر أنك عندما تكون ناجحا، ستعرف حينها أن الناجحين كانوا تماما مثلك، لهذا حتى تصل إلى مكان معين بشكل صحيح  يجب أولا أن تعلم إلى أي اتجاه يكون ذلك المكان.

الخميس - 28 ربيع الآخر 1438 - 26 يناير 2017 - 11:48 مساءً
2
5238

هل تعلم ما هو أسوأ خلق عرفته البشرية على مر التاريخ ..؟ 

هذا الخلق سيئ جدا يكرهه كل البشرية.. وهو سلوك يدفع إلى الإحباط والقهر والانتحار لكثير ممن يتعرضون كضحايا لصاحب هذا الخلق المشين!!

ولسوء هذا الخلق جعله الله من أكبر الكبائر بل وحرمه على عباده جميعا وزاده شناعة أن حرمه على ذاته الإلهية المقدسة أيضا.. 

هل تعلمون ما هو ..؟

إنه الظلم...أسوأ سلوك وقع فيه ابن آدم مع أخيه من أمه وأبيه..!! بل هو أبشع جريمة عرفتها البشرية لأن أحد الأطراف ليس له حول ولا قوة أمام الطرف الآخر..

الظلم جريمة لا تغتفر عند كثير من الناس.. لأن الظلم عواقبه وخيمة على الفرد وعلى المجتمع.. لهذا أصبح في الإسلام كبيرة من كبائر الذنوب.. وأصبح الظالم يتسم بصفة جمعته مع فرعون وهامان وأُبي بن خلف.

عن أبي ذر الغفاري- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال،  (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا).

الله- عز وجل- حرم الظلم على نفسه ولكن للأسف الشديد هناك من الناس من أباحه لنفسه..!! وخاصة ممن تقلدوا بعض المناصب حين جعلوا مناصبهم وسيلة لارتكاب هذه الجريمة البشعة ونسوا أو تناسوا أن الله- عز وجل- عندما حرمه على نفسه جعله بيننا محرما.. وزاد على ذلك أن جعل دعوة المظلوم على ظالمه مستجابة، حتى يرى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة إن شاء طلبها من ربه وإن شاء أجلها إلى آخرته.

فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ، "اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ".

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ".

وأشد أنواع الظلم بين الإنسان وأخيه الإنسان أن يقف المسؤول الظالم مع ظالم آخر ويزيد الألم والقهر على ذلك المظلوم 

فلك الله أيها المظلوم.. في آخر ساعات الليل حينما يسدل الظلام ستاره ويعود الظالم إلى فراشه، ويتجلى من حرم الظلم على نفسه إلى السماء الدنيا وينادي هل من سائل فأعطيه.

أتهزأُ بالدعاء وتزدريه...

وما تدري بما صنع الدعاءُ.

سهامُ الليلِ لا تخطي ولكن...

لها أَمَدٌ وللأمدِ انقضاءُ.

دعوة المظلوم سهم لا يرد ولا يخطئ، فيا بؤس الظالم المخذول ينام ملء عينيه والمظلوم لم ينم، يجأر إلى الله القوي أن ينتقم منه.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا...

فالظلم آخره يفضي إلى الندمِ

تنام عيناك والمظلوم منتبه...

 يدعو عليك وعين الله لم تنمِ.

ولك الله أيها الظالم.. ألم تعتبر من مصير فرعون.. ومصير هامان 

فإن الله تعالى لابد أن يأخذك  ولو بعد حين، وقد  جرت عادته سبحانه في الظالمين أن يمهلهم ولا يهملهم، ونهايتهم كما حكاها القرآن أليمة، وفي مصارعهم عبرة وعظة ولا يبالي الله في أي واد يهلكون ويخزيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة لهذا جعل الله عقوبة الظالم معجلة في الدنيا قبل الآخرة لشناعة البغي والظلم وكثرة أضراره على الفرد والمجتمع.

 قال ناصر المظلومين عليه السلام (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم).

واليوم كثيرون يظلمون ويتسلطون ويستبدون سيرًا على سيرة سلفهم فرعون عندما قال: ''ذروني أقتل موسى وليدع ربه'' وقال، ''سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ".

زعم الظالم أن المظلومين لا يستطيعون أن يخرجوا عن حكمه وقدرته وإدارته وهذا غاية الجبروت والعدوان والقسوة.. وهي لغة تتكرر عند بعض المسؤولين اليوم ممن وثق فيه ولي الأمر ومؤسسات الدولة دون رقيب ولا حسيب. عندما يقول أنا المسؤول ..!! عندي القرار.. وليس لديك..!! نحن أعلم بما نفعل..!! رح اشتك لا يردك أحد!

وعزاء المظلومين أنه لا محالة أن الظالم  الباغي تدور عليه الدوائر فيبوء بالخزي ويتجرع مرارة الذل والهزيمة وينقلب خاسئًا وهو حسير . 

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله، "الغالب أن الظالم تعجل له العقوبة في الدنيا وإن أمهل فإن الله يملي له حتى إذا أخذه لم يفلته "

النتيجة؟ "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ".

ورحم الله الشاعر القائل: 

وإياك والظلم مهما استطعت... فظلم العباد شديد الوخم

وسافر بقلبك بين الورى.. لتبصر آثار من قد ظلم 

ويقول رحمه الله، فسبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة، واحترق كبد يتيم، وجرت دمعة مسكين، قال الله- عز وجل- "كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ".

وأشد ما يقع على الظالم عندما يقول المظلوم "حسبي الله عليك".

 ففي صحيح البخاري: عن ابن عباس: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار ظلما وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".

وتخيل أخي الكريم عندما يقف المظلوم عند باب مكتب مسؤول ظالم فيقول: "حسبي الله عليك" ثم يرفع يديه إلى السماء بقلب المقهور وهو يقول يا رب هذا الرجل ظلمني فانزعه من كرسيه وأره ما يكره وسلط عليه غيره! 

هل تظنه سيبقى طويلا في مكتبه سليما معافى ..؟ اترك  الإجابة للظالم!!!

وأخيرا 

كان يزيد بن حكيم يقول، "ما هبت أحدًا قط هيبتي رجلًا ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله يقول لي: حسبي الله، الله بيني وبينك".

 

الجمعة - 20 محرّم 1438 - 21 أكتوبر 2016 - 11:14 مساءً
0
4575

هل تعطيه ضحكة تختلف عن ضحكات الآخرين..؟
وهل نظرة الإنسان لشكله سيكون لها أثر في حياته..؟
ظاهرة عالمية اليوم وخاصة لدى المشاهير أن يعاني الإنسان حالة نفسية وقلقا مستمرا وربما عزلة عن المجتمع أو اهتماما زائدا ومبالغا فيه باستخدام وسائل الزينة وعمليات التجميل.. صراع بينه وبين نفسه بسبب شكل جسمه أو جزء منه.. وعلى سبيل المثال لا الحصر طول القامة أو قصرها أو وزن الجسم أو طول الأنف أو قصره أو شكل الأذنين أو الصدر أو الحواجب أو لون العينين أو نوع أو لون الشعر أو البشرة.
القارئ الكريم لاشك أن الطول أو القصر أو غيره في شكل الإنسان عموما ليس له أثر على نفسية الإنسان مباشرة؛ ولكن المشكلة الحقيقية تأتي من نظرة الإنسان لنفسه وعدم رضاه عليها بسبب الشكل، أو نظرته عن ماذا يقول الناس عن شكله.. كل هذا وذاك هو السبب الحقيقي في التأثر النفسي والشعور بالنقص أو عدم الثقة.. لهذا من لا يثق بنفسه دائما يسعى ويحتاج إلى مديح الناس لشكله أو لبسه، ومن طلب ذلك فقد دلّ على ارتيابه في قيمة نفسه وثقته فيها.
لهذا السبب فإنك قد تجد إنسانا طويلا غير راض عن نفسه لأنه طويل.. وفي الاتجاه الآخر قد تجد إنسانا آخر متوسط القامة غير راضٍ على نفسه أو قد تجد إنسانا سمينا أو نحيفا كل واحد منهم غير راض على نفسه أو شكله..!! 
لهذا كما قيل ليس السؤال كيف يراك الناس لكن السؤال كيف أنت ترى نفسك..!!
إذا فالرضى عن النفس هو المهم وهو شعور داخلي يشعر به الإنسان ينعكس على شعوره الخارجي، فكلما كان الشخص راض على شكله كلما كان لديه طمأنينة داخلية تظهر على سلوكه والعكس صحيح.. لهذا فان رؤيتك السلبية لنفسك قد تكون سببا قويا لفشلك في الحياة وكما قيل: الثقة بالنفس طريق النجاح.
في أحيان أخرى قد نجد إنسانا من قصيري القامة طوله لا يتجاوز مترا واحدا بينما نجده يشعر بالفرح والسرور والرضى التام  وربما أطلق النكت والطرائف على نفسه لأن لديه رضاء داخلي قوي فلا يضيره الشكل الخارجي ولا يعاب به والعكس صحيح فقد تجد شخصا له جسم عادي وربما كان جميلًا ولكنه جلس مشغولا بنقد نفسه ومقارنتها بغيره مما ولد لديه شعورا بعدم الرضى عن شكله..! وهذا ما يدفع البعض وخاصه النساء إلى اللجوء لعيادات التجميل المبالغ فيه وتغيير بعض الأشياء في أجسامهم من غير ضرورة، وغالبا ما يظهر ذلك جليا في مرحلة الشباب بينما غالبية الكبار راضون عن وزنهم وعن أشكال أجسامهم..
لهذا وذاك فلابد أن يعلم الإنسان أن الشكل لا يدوم وأنه لا يبقى على حال كما هو مع تقدم العمر؛، ولكن الرضا الداخلي إذا وجد هو الذي يبقى مع الإنسان إلى آخر حياته.
يقول أرسطو: يجب أن تثق بنفسك، وإذا لم تثق بنفسك ، فمن ذا الذي سيثق بك ؟.. وكما قيل الشخص الواثق بنفسه له ضحكة تختلف عن ضحكات الآخرين .. حتى تنفسه وحركاته لهما شكل يختلف عن الآخرين.
القارئ الكريم: يبدو أن الثقة بشكل الجسم "تنضج" مع النضوج في السنّ، حيث جاءت هذه الحقائق استنادًا على دراسة عالمية جديدة قامت بها شركة يوجوف ومما جاء في الدراسة أنه بناءً على آراء الأشخاص البالغين الذين شملتهم الدراسة التي تم إجراؤها في 25 دولة أنه كلّما زاد عمر الشخص، زادت ثقته بجسمه علما أنه وفي جميع الدول التي شملتها الدراسة كان هناك نسبة من القلق بأن ثقافة المشاهير تقوم بالتأثير سلبيًا على الثقة بشكل الجسم بين جيل الشباب.
لهذا السبب أصدر عمدة لندن هذه الأيام قرارا يمنع الإعلانات في وسائل النقل العامة التي تظهر فيها الأجسام بالملابس الداخلية وتظهر أجسام رياضية لمشاهير حتى لا تؤثر على نفسية الشباب في الرضا على أنفسهم وأجسامهم أيا كانت.
ومن بين الـ25 دولة التي شملتهم هذه  الدراسة، الأندونسيوّن وهم الأكثر إيجابية حول شكل أجسامهم بشكل عام؛ حيث قال أكثر من ثلاثة أرباعهم (78%) بأنهم راضون عن وزنهم وعن شكل أجسامهم مع قصر قاماتهم غالبا مقارنة بغيرهم من شعوب الدول التي شملتهم الدراسة.. 
ومن نتائج الدراسة التي شملها الاستطلاع والبالغ عدد أفرادها 22140 من البالغين أن الرجال يشعرون بإيجابية أكبر تجاه مظهرهم ووزنهم مقارنة بالنساء.
القاري الكريم:
إذًا المحصلة هو مدى رضاك الداخلي وثقتك بنفسك ونظرتك لذاتك وعدم نقدك لها .. كل هذا عاملا مهما للرضا عن شكل جسمك الخارجي. 
لهذا يجب على الوالدين والمعلمين أن يبتعدوا عن نقد شكل الأبناء أو الأطفال في أي من مظاهر أشكالهم ويجب أن نركز على تشجيعهم ومدحهم أيا كانت أشكالهم وألوانهم، سواء في شكل الجسم ككل أو شكل الشعر أو العيون أو الأنف.. فمثلا إذا لم يكن شعر البنت ناعما فيجب على الوالدين الثناء عليه أنه جميل ومجعد وهكذا وكذلك الطول والقصر يجب أن نتجنب نقد الأبناء لهذا الجانب حتى لو كان من باب المزاح معه ولنكن معهم كالنحلة إن أكلت أكلت رحيقا وإن أطعمت أطعمت عسلا وإن سقطت على شيء لم تضره بشي. 
وأيضا يجب أن تبتعد الأم عن المبالغة في الاهتمام بتزيين الأطفال أو تغيير أشكالهم من أجل ماذا يقول الناس عنهم..؟؟!! أو محاولة محاكاة المشاهير في تسريحاتهم وأشكالهم..!! بل يجب أن تبقي أطفالها على طبيعتهم وتكثر من الثناء عليهم حتى تزرع الثقة فيهم وكلما اعتنينا بعقول أبنائنا وركزنا عليها ونميناها كلما قل اهتمامنا وتركيزنا على أشكالهم.. وأهم الوسائل للاهتمام بعقولهم وتنميتها وزرع الثقة بهم هو  تعويدهم على القراءة وتقديم القدوات المميزة والناجحة لهم وتنمية القناعات الإيجابية لديهم ورفع مستوى القدرات عندهم لرفع مستوى الثقة بأنفسهم فالبذرة المميزة تنتج من التربة الطيبة.
وأخيرا:
يروى أنه حينما تولى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه وفد من اليمن للتهنئة بالخلافة وكان يتقدم هذا الوفد طفل صغير لا يتجاوز العاشرة من عمره فلما رآه عمر قال له : يا غلام تأخر وليتقدم من هو أكبر منك سنا ، فقال الغلام المبادر الواثق من نفسه: يا أمير المؤمنين ، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا أعطى المرء قلبا حافظاً ، ولساناً لافظاً فقد استحق الذكر وإذا كان الأمر كذلك – أي بالسِن - ففي المدينة من هو أكبر منك سِنا أولى بالخلافة منك فأعجب به أمير المؤمنين وأنشد قائلا:

تعلم فليس المرء يولد عالماً .. وليس أخو علم كمن هو جاهلُ.
فإن كبير القوم لا علم عنده .. صغير إذا التفت عليه المحافلُ.

@alqefari

الجمعة - 23 ذو القعدة 1437 - 26 أغسطس 2016 - 10:03 صباحا ً
3
4305

لماذا الأخلاق في الإسلام لم تدفع الشعوب الغربية إلى الإسلام؟

هذا السؤال الكبير يتردد في خاطري وخاطر الكثيرين ممن سألوني هذا السؤال مرارًا وتكرارًا في لندن وخارجها. الكل يُجمع أن الإسلام جاء في كل تعاليمه بالحث على الأخلاق، وجعلها قانونًا لا يجوز الحياد عنه. وجعل الأخلاق أعظم صفة ظاهرة لنبي الإسلام عليه السلام، كانت لها أكبر الأثر في إقبال أعدائه عليه قبل أصحابه إليه. والله يقول عنه: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ". وكان يقول عنه مجالسوه: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاحشًا ولا متفحشًا".

وكان يقول لأصحابه: "خياركم أحاسنكم أخلاقًا"، ويقول لهم أيضًا: "إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا. وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون".

وكان شعاره الدائم في الحياة: "مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ".

إذن الاخلاق رسالة الإسلام الأولى للعالمين، ومهبط الوحي لقلوبهم، والوسيلة المثلى إلى أرواحهم، وهي ميزان النجاح في الدارين لأتباعه: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يُبغض الفاحش البذيء".

لهذا السبب نجد دافيد بن غوريون المؤسس لحزب العمل الإسرائيلي والذي تبوّأ رئاسة الوزراء الإسرائيلية لمدة 30 عامًا وهو أول رئيس لها يقول: "إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد".

ولن يظهر هذا حقيقة إلا بصورة المسلم الذي يتمثل ما قاله عنه ربه جل وعز: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" بهذا تعود أمة الأخلاق كما كان عليه نبيها محمد عليه الصلاة والسلام.

يقول المستشرق البريطاني "مرمادوك باكتال" (وكان روائيًّا وصحفيًّا وقياديًّا دينيًّا وسياسيًّا): "المسلمون يمكنهم أن ينشروا حضارتهم إلى العالم الآن، وبنفس السرعة المذهلة.. شرط أن يعودوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها.. لأن الغرب الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم الهائلة".

هذا المستشرق مرمادوك كان نصرانيًّا، ولكن بسبب اطلاعه على أخلاق الإسلام في القرآن سرعان ما تحول إلى الإسلام مما دفعه ذلك إلى أن يقوم بعمل جبار؛ وهو ترجمة معاني القرآن، والتي حظيت بموافقة الأزهر عليها وبقيت أهميتها إلى يومنا هذا.. وقد قدم كذلك خطابًا حول "الإسلام والتقدم" عام 1917م، كما عُرف عنه تأييده القوي للدولة العثمانية حتى قبل إعلانه لإسلامه آنذاك.

لهذا وللأسف.. يجد الغربيون اليوم بالقرآن ما لا يجدونه في تصرفاتنا.

تقول جينيفر ويليام: "آسفة.. قرأت القرآن لأتعلم اعتقادات الإرهابيين، ولكن انتهى بي الأمر بإعلان إسلامي بسبب ما قرأت!".

واآسفاه كاد يمنعها ما تراه من تصرفات المسلمين اليوم عن دخول الإسلام، ولكن قراءتها للقرآن أسعفتها لمعرفة الحقيقة المرة في ابتعادنا عن أخلاق ديننا ونبينا عليه الصلاة والسلام، والله يقول: "وقولوا للناس حسنا".

ومما جاء في الحوار الشهير بين أبي سفيان -قبل إسلامه- وهرقل ملك الروم عن أخلاق النبي محمد عليه السلام، أن الملك أعطى تفسيرا جميلا في ختام الحوار الذي دار بينهما، وهما أشد أعدائه آنذاك حيث قال: وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فَقَدْ عَرَفْتُ أنه لم يكن ليذَرَ الكذب على الناس ويكذب على الله.. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا.. وكذلك الرسل لا تغدر.. وسألتك: بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.. فقال: إن كان ما تقوله حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أني أعلم أني أخلصُ إليه لتجشَّمْتُ لقاءَهُ، ولو كنت عنده لغسلتُ قَدَمِه.

لهذا كان قانون الإسلام الأخلاقي صريحًا وصارمًا في حماية الحقوق في العلاقات بين الناس حين قال: أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر. وفي حديث آخر: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".

لهذا يجب أن نعرض أخلاقنا في علاقاتنا على هذا الميزان الذهبي الدقيق في وصفه.. والعجيب في تحديده وتأطيره.

أيها القارئ الكريم: الجميع يعلم أن الإسلام في شرق أسيا وإفريقيا قديمًا انتشر نتيجة أخلاق التجار المسلمين هناك، بينما اليوم وللأسف الشديد يقول أحد التجار الصينيين: يطلب مني بعض التجار المسلمين تزوير بضاعتي بوضع أسماء ماركات عالمية عليها، ثم يرفضون الطعام الذي أقدمه لهم لأنه "غير حلال"!

وهذا ما أقوله أنا الآن بعدما عشت أربعة عشر عاما في مجتمع أوروبي، عرفت أن أخلاق المسلمين هنا في أوروبا وممن يزورها من المسلمين كانوا سببا لتأخر الأوربيون في دخول الإسلام أفواجا.. لأنهم يسمعون من المسلمين عن أخلاق الإسلام -إذا سمعوا- ما لا يشاهدونه في واقعهم.

وأخيرًا:

«إِنَّكُمْ لا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ».

د. عبدالله القفاري.

@alqefari

أستاذ جامعي في لندن

الثلاثاء - 14 شوّال 1437 - 19 يوليو 2016 - 11:59 مساءً
5
7674

عندما يراقب الإنسان القرن الماضي، ويتابع بعض أحداثه، يجد أن العالم يتجه -كما يزعم الكبار- إلى عالمية الكون، عن طريق "العولمة"، المولود الجديد للنظام العالمي الحديث، الذين سعوا إلى إقامته في أواخر نهاية الحرب الباردة، لكنه مات في مهده قبل أن يرى النور..!

واليوم يحاولون استنساخ وليد جديد بمهمته الاستعمارية، لكن ليس كاستعمار الأمس -والذي التهمت فيه الدول الكبيرة دولًا صغيرة، ونهبت خيراتها ومقدراتها، وعاثت في الأرض فسادًا- بل استعمار اليوم، والتي تسعى تلك الدول من خلاله إلى التهام العالم بأكمله.. اقتصاديًا، سياسيًا، دينيًا، اجتماعيًا، وحتى عسكريًا!

ولهذا وجب على العالم الإسلامي، بل العالم أجمع، أن يقف أمام هذه الدعوة الاستعمارية الحديثة موقفه من الاستعمار القديم؛ لأن العالمية المنشودة ينبغي ألا تقوم على أساس عرقي أبيض أو تكويني أمريكي، أو عملة مادية ليبرالية خاصة، بل ينبغي أن تقوم على أساس أن البشر عيال الله، وأن أكرمكم عند الله أتقاكم..

ولهذا الأساس الرباني وغيره من المواثيق الدولية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما صدر عام 1949م، لميثاق حقوق الإنسان في هيئة الأمم المتحدة، والذي قام على أساسين هما:

•​حرية الإنسان في كل جنس.

•​المساواة في الحقوق من دون تمييز بين الناس.

وهكذا نجد أن العولمة لا تحقق هذين الأساسين، "كرامة الإنسان وحريته"، دون مطاردة أمريكية أو وصاية "كنقرسية"، كما هو مشاهد في أحداث العالم اليوم، وإنما تكرس الهيمنة الأمريكية على العالم؛ ولهذا فإن رسالة سلاح الجوّ الأمريكي ترتكز على "تقديم قوة جوية على مستوى عالمي راق، في أي مكان وفي أيوقت، تصل لكل مناطق العالم بقوة عالمية".

ولعل المراقب لتسلسل هذه التطورات العالمية يشعر أن تلك العولمة هي القشة، التي قد تكون سببا في قصم ظهر البعير.. خاصة إذا استمرت أمريكا في تعسفها وتسلطها على الشعوب، متناسية كل الأعراف والمواثيق الدولية.. خاصة في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية.. بل حتى في أسلوب الحياة، التي يعيشونها، وها هو الرئيس الأبيض كلينتون يقول: "إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزامًا مقدسًا لتحويل العالم إلى صورتنا"..

هكذا يريدون.. استنساخ العالم أجمع بعولمة الاختراق زعموا..

ولا يتأتى ذلك الاستنساخ لهذا الأخطبوط العالمي الليبرالي المقيت إلا بتفتيت قوة العالم كما يريدون عن طريق خطة استراتيجية ممنهجة نسجت بيد مهندسها "برنارد لويس" وهو مستشرق بريطاني ولد في لندن عام 1916 ،يهودي الديانة، صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية، صاحب أخطر مشروع في العالم اليوم لتفتيت العالم العربي والإسلامي والذي نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية.

وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" لذلك الرجل في مقال لها قالت فيه: إن برنارد لويس المؤرخ البارز للشرق الأوسط وفر كثير من الذخيرة الأيدلوجية لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط والحرب علي الإرهاب، كما أنه أحد المؤيدين للحملات الصليبية الفاشلة، بل ويعتبر الأب الروحي لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.. وهو مؤلف لعشرين كتابا عن الشرق الأوسط ومنها: "الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط الحديث"، وكتاب "العرب في التاريخ"، كما أن "لويس" ظل طوال سنواته رجل الشئون العامة، ومستشارا لإدارتي بوش الأب والابن، فضلًا عن كونه مستشارا لوزير الدفاع الأمريكي تشيني لشؤون الشرق الأوسط..

القارئ الكريم، ورغم أن مصطلح "صدام الحضارات" يرتبط بالمفكر المحافظ "صموئيل هنتينجتون"؛ فإن "لويس" هو من قدم التعبير للعالم؛ ففي عام 1990، قال في مقال له بعنوان "جذور الغضب الإسلامي": "هذا ليس أقل من صراع بين الحضارات، ربما تكون غير منطقية لكنها بالتأكيد رد فعل تاريخي منافس قديم لتراثنا اليهودي والمسيحي وحاضرنا العلماني والتوسع العالمي الجديد"..

إلى جانب "لويس" فهناك المؤرخ الصهيوني المتأمرك "برنارد لويس"، والذي قام بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية، والذي وافق عليها لكنقرس الأمريكي في جلسة سرية عام 1983.

ولهذا كله أكاد أتنبأ أن هذا الاستنساخ العالمي بداية يقظة لكثير من التكتلات العالمية في كثير من المجالات.. نعم تكتلات تفي بمصالح شعوبها وتقف حاجزا أمام هذا الزحف الهائج على مقدراتها ومكتسباتها باسم العالمية.. وهذه الظاهرة التكتلية المتوقعة.. لا أكون مبالغا إن ذهبت إلى أنها قد تكون بداية النهاية لأمريكا في ظل الألفية الثالثة الجديدة.

فهل يعي العالم الإسلامي اليوم هذه اليقظة؟ وهل يبادر قبل فوات الأوان، في ظل الموارد البشرية والاقتصادية والفكرية التي يملكها؟ وهي كفيلة بتحقيق مثل هذه التكتلات، بإذن الله جل وتقدس، بعيدا عن التطاحن والتناحر -الذي قد يأكل الأخضر واليابس في بلادنا العربية والإسلامية إن حدث- فكم نحن بحاجة إلى وجود قرار سياسي جرئ لتوحيدنا أمام الأعداء.. «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا».

وأخيرا:

أتمنى ألا يقول الكثير من بلداننا أكلت يوم أكل الثور الأبيض!

ويقصد هذا المثال إنه متى ضحينا بأحد لننال مكانه أو لأي مصلحة نعتقدها فقد حكمنا على أنفسنا بمصيره الذي وقع فيه ونحن نسير إلى حيث سار ووضعنا أنفسنا بعده في القائمة.

الأحد - 28 رمضان 1437 - 03 يوليو 2016 - 11:56 صباحا ً
0
31083

لقد أصبحت  الألعاب النارية وما تشكله من مخاطر على أرواح الأبرياء من أطفالنا، مَحَطَّ قلقٍ مفزعٍ في مجتمعنا السعودي عند حلول كل عيد أو مناسبة أو احتفال؛ حيث يفرح البعض مع أبنائهم في الوقت الذي يخيم فيه الحزن والأسى على البعض الآخر، والسبب هو الآباء أو الأمهات الذين مكنوا أطفالهم من اللعب بالنار أو تركوهم دون حسيب ولا رقيب يلعبون مع أطفال آخرين معهم هذه المفرقعات بشتى أنواعها.. لهذا أصبحنا نسمع في كل عام من يبكي في العيد على أحد أولاده بسبب هذه المفرقعات والآخرون يضحكون مع أولادهم فرحًا بالعيد.

 

إنا لله وإنا إليه راجعون ..

كل عام نسمع هذه العبارة قبيل الأعياد وفي أيامها وبعدها بقليل،  ولن أنسى عشرات القصص لبعض الأقارب الذين تحول العيد وحفلات النجاح عندهم إلى مأتم بسبب هذه المفرقعات.. لن أنسى الفتى اليافع محمد الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 16 عامًا، والذي تجمع الشباب حوله لابسين الجديد للفرح بنجاحه، ولم تكن إلا لحظات حتى علا الصراخ بالمكان، وإذا بالفتى محمد يفارق الحياة على إثر انفجار إحدى الألعاب النارية في جسده؛ ما أدى إلى احتراقه كاملًا ووفاته على الفور. أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته وألا يفجعنا في هذه الأيام أو غيرها بفقدان أو إصابة أحد من فلذات أكبادنا.

ناهيك عن عشرات فقدوا أحد أعضائهم؛ فهذا فقد عينه، وهذا أنفه، وآخر تشوهت واحترقت يده.

مآسٍ نجنيها على أنفسنا بسبب ألعاب نارية نشتريها بمالنا دون مبالاة بأرواح أطفالنا؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: "وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" متفق عليه.

 

تعليمات مهمة:

بسبب هذه القصص الحزينة على قلبي، أحببت أن أجتهد في كتابة بعض التوجيهات لحماية  أطفالنا من خطر الألعاب النارية في هذا العيد، خاصةً أنها منتشرة في مجتمعنا على نطاق واسع دون تنظيم أو رقابة:

1- أن يخصص يوم للألعاب النارية للأسرة ويحضره أولياء أمور الأطفال (إذا كان لا مفر من جلبها).

2- أن يباشر الآباء بأنفسهم إطلاق الألعاب النارية أو يساعدوا من يقوم بإطلاقها ممن يقل أعمارهم عن 18 سنة.

3- أن يكون هذا النشاط في مكان فسيح جدًّا، ويبتعد الأطفال عن دائرة إطلاق  الألعاب بمسافة لا تقل عن 10 إلى 20 مترًا.

4- أن يتم الاطلاع على نشرة التعليمات المرافقة للألعاب النارية، والتي توضح خطورتها وطريقة إطلاقها بأمان، وعدم التساهل في ذلك؛ حتى لا يقع المكروه فنندم.

5- أن يوجد في المكان أدوات سلامة، كطفاية حريق صغيرة .. سطل رمل .. بطانية إخماد الحريق، كاحتياط لو وقع شيء غير محمود، لا سمح الله.

6- وجود سيارة في المكان، وأن يكون قائدها جاهزًا لاصطحاب أي مُصاب إلى المستشفى لإسعافه.

7- منع الأطفال منعًا باتًّا من مباشرة الألعاب النارية والمفرقعات -أيًّا كان نوعها أو حجمها- وحدهم أو مع زملائهم دون وجود ولي الأمر معهم.

8- كذلك الحرص الشديد على إبعاد الأطفال عن الكبريت وأدوات الإشعال؛ حتى لا تكون سببًا في اندلاع حريق بسبب عدم وعي الطفل بخطورتها.

9- توعية الأبناء منذ الصغر بخطورة الألعاب النارية وعدم التهاون بها أو الاقتراب منها دون وجود ولي الأمر، وإبلاغ الوالدين عند إحضارها، والابتعاد عن التجمعات التي تكون بغير حضور أحد الوالدين.

10- كما يجب على الدولة وضع أنظمة صارمة لمحلات بيع المفرقعات، مع وضع نشرات توعية توزع على الزبون، وألا تباع الألعاب النارية على الأطفال، وكذلك يحاسب ولي الأمر عند تقصيره ويحال إلى التحقيق.

 

و أخيرًا..

يجب أن نحذر من العبث بهذه النار وهذه المفرقعات التي تحصد أرواحًا بريئة كل عام، خاصةً في المملكة،  ونقتدي بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي حذرنا من مخاطر النار بقوله: "إن هذه النار عدو لكم؛ فإذا نمتم فأطفئوها عنكم" متفق عَلَيْهِ.

 

الدكتور/ عبدالله القفاري

استاذ جامعي

لندن

@alqefari

الثلاثاء - 16 رمضان 1437 - 21 يونيو 2016 - 01:44 صباحا ً
1
8070

خلال أربة أيام استمتعت بقراءة كتاب مِن أشهر ما كُتِب في الأدب العربي في مجاله كما يقال.. كتاب يحكي لنا مؤلفه سيرة رجل عظيم لم يعرف التاريخ قبله ولا بعده مثله.. لا في وصفه ولا في صفته ولا في خُلُقِه ولا في خِلْقَته، إنها سيرة سيدي وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام صاحب الخلق العظيم.. ويُعتبر هذا الكتاب أشهر كتاب حبكه الأستاذ العقاد ووسمه ب"عبقرية محمد".

لقد تشرفت بقراءة مجموعة من المؤلفات التي تزخر بها المكتبة العربية حول سيرة سيد الرسل عليه السلام، لكنني لم أجد مثيلا لهذا الكتاب لما خصه به صاحبه من حسن البيان وجمال الوصف ودقة العبارة وصدق الإيمان وسعة الثقافة، مما حفزني على مواصلة القراءة والتعليق والتدقيق، ولولا ارتباطي بأعمال أخرى لما قبلت نفسي الشواقة التوقف حتى أنتهي من خاتمة هذا الكتاب الممتع، والذي يصدق عليه قول أبي العلاء المعريّ..

من الناسِ من لفظُهُ لؤلؤٌ
يبادرُه اللقطُ إذ يلفَظُ
وبعضهُمُ لفظُهُ كالحصى
يقالُ فيلغَى ولا يحفَظُ

شمائل فذة...

فهذا الكتاب عجيب في الوصف وعجيب في التعبير عن شخصية النبي الكريم عليه السلام، و كيف وٓفَّق بين أدواره المختلفة في الحياة.. فهو الأب الحنون والزوج اللطيف والعضو الفاعل في قبيلته وفي مجتمعه، أضحى في قومه نبيا ورسولا وداعيا ومحاربا وقائدا شجاعا عظيما وحاكما وقاضيا عادلا ومتواضعا ومعلما وواعظا وعابدا باكيا ومصليا خاشعا، جسده في الأرض وقلبه معلق في السماء، فما يزيد على أن يقول في آخر لحظات حياته، وهو يخير بين الحياة أو الموت، "بل الرفيق الأعلى". لقد تبوأ -بأبي هو و أمي- المقام الأول بخلقته، والمقام الأول بخُلُقِه، والمقام الأول بنبوته، والمقام الأول بين أصحابه ومحبيه.

كان رقيقًا في السلم، رفيقا في الحرب، ينحاز دائما إلى العفو، حتى على من آذاه و أخرجه من أرضه، بل رفع يديه وقال: ''رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" وهو يمسح الدم عن وجهه مما أصابه من أذاهم، أما صور اللطف والتواضع فهي جلية شتى في سيرته لا تخفى على ذي لُب، قال أبو هريرة رضي الله عنه: دخلت السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتري سراويل، فوثب البائع إلى يد النبي ليقبلها، فجذب يده، ومنعه قائلا له : "هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل منكم" ثم أخذ السراويل فأردت أن أحملها فأبى وقال: "صاحب الشيء أحق بأن يحمله''..

يا ملء روحي وهج حبك في دمي
قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ
أنت الحبيب وأنت من أروى لنـا
حتـى أضـاء قلوبنـا الإٍســلام

شوقُ الأحبة...

إننا اليوم وكَحال الملايين ممن اتبعوا هذا النبي العظيم في شوق ووَلَع نتطلع إلى لُقيَاه ونحن لم نرَه، وهكذا كان حال الأنصار في شوق إلى لقياه عليه السلام وذلك قبل قدومه إليهم، يقولون "فو اللهِ ما نبرح حتى تغلبنا الشمسُ على الظِّلال حتى إذا لم يبقَ ظلُّ دخلنا بيوتنا، وقدِم صلى اللهُ عليه وسلم حين دخلنا بيوتنا، فكان أولَ من رآه يهودي وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدومَ رسول الله فصرخ بأعلى صوته، يا بني قيلة هذا جدُّكم قد جاء (جدُّكم أي من تعتقدون نبوَّته)، فخرجنا إلى النبيِّ صلى الله عليه سلم و هو في ظلِّ نخلة ومعه أبو بكر..." آمنوا به قبل أن يروه، آمنوا به، وأحبُّوه، وتمنوا أن يقدِّموا أنفسهم فداءً له، وقد تزاحم عليه الناسُ، وما يعرفونه من أبي بكر. يا لها من صورة مؤثرة للقائد النبي المتواضع الذي يغوص بين مرافقيه و يخالطهم دون تميز.

يتيم يُغيِّر مجرى التاريخ...

ومما جاء في كتاب "عبقرية محمد": "أردنا أن نصف محمداً في عبقريته، أو محمداً في نفسه، أو محمداً في مناقبه التي يتَّفق على تعظيمها من يدين برسالته الدينية، ومن لا يدين له برسالة.. ونريد بذلك أن نذكر محمداً في التاريخ، أو محمداً في العالم وأحداثه الخالدة.. فما مكان هذه العظمة في التاريخ؟... مكانها أن التاريخ كله بعد محمد مرهون بعمله، وأن حادثاً واحداً من أحداثه الباقية لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا ظهور محمد وظهور عمله: فلا فتوح الشرق والغرب، ولا حركات أوروبا في العصور الوسطى، ولا الحروب الصليبية، ولا نهضة العلوم بعد تلك الحروب، ولا كشف القارة الأمريكية، ولا مساجلة الصراع بين الأوروبيين والآسيويين والأفريقيين، ولا الثورة الفرنسية وما تلاها من ثورات، ولا الحرب العظمى التي شهدنا قبل، ولا الحرب الحاضرة التي نشهدها في هذه الأيام، ولا حادثة قومية أو عالمية مما يتخلَّل ذلك جميعها كانت واقعة في الدنيا كما وقعت لولا ذلك اليتيم الذي وُلد في شبه الجزيرة العربية بعد خمسمائة وإحدى وسبعين سنة من مولد المسيح".

البداية...

يقول الكاتب مصطفى فرحات "إن كتاب (كارليل) المدخل الذي قاد العقاد إلى كتابة "عبقرية محمد"، فقد تساءل هو وثُلةٌ من أصدقائه بمن فيهم المازني: "ما بالنا نقنع بتمجيد "كارليل" للنبي، وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه، ولا يعرف الإسلام كما نعرفه" ، وسأله بعضهم أن يؤلف كتابا عن رسول الإسلام "على النمط الحديث". فوعدهم بأن يكون ذلك قريبا.. لكنّ الكتاب لم ير النور إلا بعد 30 سنة..!".

إبداعٌ كاتب...

كتابة العقاد دُرّة يشدك فيها ببلاغته وحزمة يجذبك فيها بعذوبة كلماته، ولوحة نادرة يُبهِرُك فيها بمنطقه وتحليله، وقَلَّ من يستطيع محاكات أسلوبه، وكأنما منحه الله مفاتيح أبواب خزائن البيان اللغوي يصنع فيها كيفما يشاء.

ومع بلاغة وحذاقة هذا الكاتب إلا أنه لم يُجمِع القراء على قبول فكرة هذا الكتاب، بدءاً من عنوانه، وتعقبوا شيئا من فصوله بالنقد اليسير والملاحظة المكملة، وهذه سنة الله في خلقه فالكمال لله، ولكن يبقى هذا الكتاب مرجعًا مضيئا يحكي لنا جوانب من الروعة في شخصية هذا النبي الأمي عليه السلام.

هل مِن مُعتبِر..؟

كم نحن بحاجة كمسلمين إلى مراجعة سيرته عليه السلام، خاصة في ظل التناحر الحاصل بين المسلمين والذي يقدمون فيه صورة مشوهة لرسالته من خلال ممارساتهم التي تنافي روح ما جاء به، فهناك من أجرم كل الإجرام باسم محمد عليه السلام، وهناك مَن بليبراليته سعى لطمس معالم نبوته، وقوم آخرون أبهرهم ماعند غيرهم من حضارة، بينما نسوا أو تناسوا أن أولئك الذين أبهروهم نَهَلوا من مَعين الخير الذي أتاهم من عندنا، وآخرون شغفهم حب الحبيب حتى عظموه بما نهاهم عنه، بينما جفاه آخرون فلا يذكرونه إلا في الجمعة أو في رمضان، فكم نحن بحاجة إلى قراءة هذه السيرة العطرة وتدبُّرِها وأخذ العِبر والدروس منها أكثر من غيرنا.

الحزن يملأ يا حبيـب جوارحـي
فالمسلمون عن الطريـق تعامـوا
والـذل خيَّـم فالنفـوس كئيبـة
وعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام

وختاما:

عن سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ: أتَيتُ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: يَا أم الْمُؤْمِنِينَ أَخبريني بخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآن أما تَقْرَاُ الْقُرْآن قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيد أَنْ أتبتل. قَالَتْ: لا تَفْعَلْ أما تَقْرَاُ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ وُلِدَ لَهُ.

الثلاثاء - 02 رمضان 1437 - 07 يونيو 2016 - 11:07 صباحا ً
7
16053

تحدثنا في المقالين السابقين عن أهداف يجب أن نسعى لتحقيقها في خطتنا الاستراتيجية، والآن نواصل الحديث في هذا المقال ونستعرض عشرة أهداف استراتيجية أخرى، ولكنها تختلف عما سبق في أننا بحاجة إلى التخلص منها لكي تكتمل المعادلة التي طرحناها للقضاء على هذه الأمراض الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع، ويمكن إجمال هذه الأهداف كما يأتي:

الهدف الأول: رفع سعر الوقود فاعتقد أن تدنيه لا يخدم الاقتصاد الوطني ولا يخدم شريحة ذوي الدخل المحدود، لهذا ينبغي رفع سعر الوقود تدريجيًّا على مدى 10 سنوات قادمة بنسبة 5% سنويًّا، مع توجيه هذا التوفير للخدمات الاجتماعية ورفع مقدار الرواتب لمعادلة هذا الارتفاع.

الهدف الثاني: التخلص من ثقافة المضاربة التجارية المتهورة ووضع آلية قاسية تمنع المضاربة في سوق الأسهم أو الأراضي العقارية وتشجيع الادخار فيها وفرض رسوم2.5% عند بيع العقار أو الأسهم تذهب لصندوق الخدمات الاجتماعية بدلًا من نظام رسوم الأراضي.

الهدف الثالث: التخلص من مجانية أو تخفيض تأشيرة الزيارة الى المملكة ورفع الرسوم عليها ومنها أيضًا تأشيرة الحج والعمرة وزيارة الأقارب والزيارات السياحية وزيارات العمل التجاري، وتحويلها إلى ما هو معمول به من رسوم في تأشيرة العمل.

الهدف الرابع: فرض رسوم عالية على السلع الضارة، ومن ذلك رفع الرسوم على الدخان ومشتقاته من المعسل وغيره بنسبة 300%، وكذلك على مشروبات الطاقة ولكن على مراحل مقسمة على 5 سنوات بنسبة 40% سنويًا، وكذلك رفع الجمارك على السلع والمشروبات غير المفيدة والتي قد تكون مضره للكثيرين بنسبة 25% على مدار 5 سنوات مثل: المشروبات الغازية عمومًا والوجبات السريعة المستوردة وما شاكلها، وصرف هذه المبالغ على التوعية وعلاج المتضررين.

الهدف الخامس: التخلص من مشكلة تدني الرواتب مع رفعها بنسبة 100% للوظائف الدنيا والمتوسطة، وبنسبة 50% للمراتب العليا، وتكون على مدار 10 سنوات بنسبة 10% سنويًا؛ مع وضع الحد الأدنى للرواتب ليكون خمسة آلاف ريال للمتزوجين؛ حيث تشير بعض الدراسات إلى أن هذا الرقم هو الأقل لسد حاجة الأسرة السعودية.

الهدف السادس: إلغاء الدعم الحكومي، ومن ذلك إيقاف دعم جميع السلع الغذائية كالأرز وغيره، واستبداله بدعم مالي مباشر للأسرة وتعويضهم برفع الرواتب، ووضع حد لأرباح الشركات غير المحدود، ومحاربة الاحتكار والتكتّل، وكذلك الغاء الدعم الخارجي من الدولة للدول الأخرى؛ إلا ما يخص الإغاثي منها في حالة الكوارث والحروب وأن يكون ذلك الدعم عبر جمعيات سعودية للمتضررين مباشرة.

الهدف السابع: استبدال الدعم للسلع في وضع بدلات مالية تساعد الأسرة السعودية ذات الدخل المحدود؛ ومن ذلك بدل لكل طفل يصل إلى 100 ريال أسبوعيًّا حتى عمر 18 سنة ما لم يلتحق بوظيفة حتى عدد 4 أطفال كحد أقصى، بالإضافة إلى 200 ريال أسبوعي للأمّ غير العاملة.

الهدف الثامن: التخلص من تدني الجمارك على السيارات، على أن يتم رفعها وجعل الموديل للسيارات يأتي كل ثلاثة سنوات فقط؛ إلا من أراد إحضار سيارة شخصية فله ذلك، ولكن برسوم جمركية عالية جدًّا وتشجيع التصنيع والتجميع المحلي.

الهدف التاسع: محاربة بعض العادات والقيم الخاطئة، ومنها: تلك التي تقلل من أهمية العمل في بعض المهن، ونشر الوعي بأهمية العمل في كل مجال مباح، والتوعية بأهمية الادخار، ونبذ الإسراف والتبذير، والسعي للاقتصاد وإدارة المحفظة المالية للفرد والأسرة، وكذلك توعية الموظفين والعاملين بالابتعاد عن السلوك الفردي والتركيز على العمل الجماعي وروح الفريق، وتنمية ذلك في سلوكيات الطلاب مبكرًا قبل الوصول لسوق العمل وبناء الوزارات والمؤسسات على هذه المبادئ التي تتصل بعمل الفريق بدلًا من العمل الفردي.

الهدف العاشر: الحدّ من انتشار الجرائم من خلال وضع آلية استراتيجية قوية لضبط الأمن المجتمعي بمحاربة الجريمة وعلاج أسبابها الحقيقية من جذورها والتوعية بخطورتها في كل مراحل التعليم والإعلام والمؤسسات المعنية؛ ومن ذلك جريمة الإرهاب والمخدرات والمسكرات والسرقات والسطو والرشوة واستغلال السلطة والتحرش والمعاكسات والتهور في القيادة والسلامة المرورية والعبث في الممتلكات العامة وسوء استخدامها والنظافة العامّة.

القارئ الكريم: الأرقام التي وردت في المقالين مثال تقريبي وليست أرقام مدروسة بل تحتاج إلى مزيد من الدراسة و التحليل لتعطي أدق النتائج.

وأخيرًا:

بعد هذا السرد لتلك الأهداف التي يجب التخلص منها فلعلّ ما يُجمل هذه الخطة، هو ذلك المثل الشهير الذي يردده العامة ويقع موقع التأكيد في هذه الخطة، وهو "ماحك جلدك مثل ظفرك"، لهذا جاءت أهمية التركيز على العقول الوطنية وتدريبها وتطويرها والوقوف معها لكي تسعى لتطوير هذا الوطن ومواطنيه والمقيمين فيه ولتكون سندًا وعونًا لحكام هذه البلاد.

للتواصل  @alqefari

الخميس - 19 شعبان 1437 - 26 مايو 2016 - 03:34 مساءً
2
6207

القارئ الكريم في هذا المقال، نكمل الأهداف الخمسة الأخرى المقترحة لمعالجة البطالة والفقر، وهي:

الهدف السادس: إنشاء 10 شركات تأمين وطنية كبرى في كل مجالات التأمين تُساهم الدولة فيها بنسبة 40%، ويساهم المواطنون بنسبة 40%، بينما يساهم المشغل الأجنبي بنسبة 20%.

الهدف السابع: تشجيع العمل الخيري في الداخل والخارج، وتسهيل فتح المؤسسات الخيرية والوقفية الخاصة والعامة للعمل داخل المملكة وخارجها، وتسريع إجراءات تسجيلها كأي مؤسسة تجارية، وإسناد إجراءات التصاريح إلى وزارة التجارة، وإنشاء مؤسسة خيرية تعمل في الخارج لنشر الوعي بين المسلمين بأهمية المملكة، وتواجد المقدسات فيها، ووضع آلية لذلك عبر أئمة المساجد المنتشرين في العالم للوصول للمسلمين هناك، وكذلك إنشاء مؤسسة عالمية أيضًا لتحسين صورة المملكة، ودورها الريادي في السلم العالمي، ودورها في دعم العمل الخيري في العالم.

الهدف الثامن: التحول الإلكتروني 100% لجميع الخدمات الحكومية خلال 5 سنوات، وتطوير مراكز الرد والتواصل مع المواطنين عن بعد في جميع الوزارات والدوائر الحكومية وجميع مسؤولي الدولة على أعلى المستويات.

الهدف التاسع: رفع مستوى الرقابة ومكافحة الفساد، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني لتقوم بدورها الإيجابي، وتحمل مسؤولياتها، وتطوير الإعلام الهادف وتفعيله في المجتمع لخدمة هذه الأهداف.

الهدف العاشر: إنشاء نوادٍ ثقافية ترفيهية رياضية تدريبية في الأحياء، وأن تكون شبه مجانية، إلى جانب استثمار بعض مرافقها لأغراض تجارية وخدمات مساندة، ووضع برامج ودورات لدعم مشاريع شباب الريادة والأسر المنتجة، وتوجيههم إلى التصنيع، وإقامة المعامل الصغيرة، وتدريبهم على استغلال عالم الإنترنت في تسويق منتجاتهم محليًّا.

وللحديث بقية في المقال القادم بإذن الله تعالى..

 

أستاذ جامعي

 @alqefari

الأحد - 15 شعبان 1437 - 22 مايو 2016 - 06:30 مساءً
4
7680

معادلة:  10 أهداف – 10 أهداف = 20سنة

للوقاية والعلاج من البطالة والفقر.

نعم، هذه المعادلة هي الخطة والأهداف الاستراتيجية التي أقترحها وأعتقد جازمًا أنه سيكون لها دور قوي في معالجة البطالة والفقر في المملكة وفي أي دولة خليجية تسعى إلى حل هذه المشكلة.

فقد أصبحت مشكلتا الفقر والبطالة من أكثر المشكلات العالمية التي تؤرق المجتمعات، خاصةً أنهما ذواتا امتدادات اقتصادية وتعليمية وتدريبية، وهما ظاهرتان لا يخلو منهما أي مجتمع حديث، لكن مع تفاوت واضح في حجمهما وفي الفئات المتضررة منهما. وهنا تشير بعض الدراسات إلى أنّ خُمسَ سكان العالم يمكن تصنيفهم بأنّهم يعيشون الفقر والحرمان، في حين تشير بعض الأرقام إلى أن العاطلين عن العمل في العالم بلغوا نحو 200 مليون نسمة.

والمشكلتان إذا كانتا عالميتين، فإن المملكة ليست منفصلة عن هذا الواقع العالمي، وهو ما أشار إليه أحد أعضاء مجلس الشورى عندما أوضح أن هناك مليون عاطل وعاطلة بالمملكة، كما أشارت غرفة الرياض إلى أن معدل البطالة يزيد بمتوسط 3.6% سنويًّا. وفي 2015 أظهرت نتائج مسح القوى العاملة لمصلحة الإحصاء العامة أن خريجي الجامعات السعودية يشكلون نسبة كبيرة في شريحة البطالة؛ حيث بلغت 49.3%، وأن نسبة العاطلين عن العمل للشهادات الثانوية سجلت نحو 32%، في حين بلغت نسبة البطالة بين أصحاب الدبلوم دون الجامعي نحو 9.1%؛ ما يدل على أن أصحاب الدبلومات أقرب إلى حاجة سوق العمل. وهذا ما دفع حكومة المملكة إلى وضع الخطة الاستراتيجية 2030 التي تحدث عنها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان في اللقاء المتلفز لهذا الغرض.

وإذا أردنا أن نتحدث بصراحة في هذه القضية، فينبغي أن نوضح أن هذه المشكلات التي لم تفلت منها كثير من الدول الصاعدة، جاءت نتيجة سوء التخطيط  الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والتدريبي، وهو ما دعاني إلى كتابة هذه المعادلة في هذه السطور لطرح بعض الحلول اللازمة لهذه المشكلات دون تفصيل، انطلاقًا من خطين متوازيين؛ إحداهما خط اقتصادي اجتماعي، والثاني خط التعليم والتدريب والبحث.

وفى الوقت الذي أعشق فيه العيش وسط أبحاثي وكتبي، فإن خدمة مجتمعي تطاردني، وهو ما دفعني لكتابة هذه السطور؛ علها تقدم شيئًا مفيدًا للوطن والمواطن؛ لهذا لو كنت وزيرًا أو مسؤولًا  يملك القرار لوضعت 20 هدفًا في الخطة الاستراتيجية للمملكة لحماية المجتمع وأبنائه من شبح الفقر والبطالة الذي بات يؤرق كثيرًا من الدول عند كتابة خططها الاستراتيجية.

ولعل ما أسردهُ للقارئ العزيز في هذه الأسطر، التي يمكن أن أطلق عليها "خطة 10 ناقص 10 يساوي 20". وأعني بالعشرة الأولى أهدافًا يجب أن نسعى إلى تحقيقها وسوف أستعرضها في هذا المقال. أما العشرة الثانية فهي عشر أهداف سلبية يجب أن نتخلص منها ونعدلها بإيجابية. وأما العشرون فهو عدد سنوات تحقيق هذه الأهداف.

بداية، يجب أن نضع 10 أهداف تحتوي على جوانب اقتصادية واجتماعية وتعليمية وتدريبية وبحثية يمكن لها أن تحقق أهداف مملكتنا الحبيبة لحل هذه المشكلات خلال العشرين عامًا القادمة.

الهدف الأول- أعتقد أن البداية لهذه الخطة لا تكون ناجحة إلا بوضع اللبنة الأولى؛ وذلك من خلال إنشاء 2000 مصنع ومعمل يمكن أن تضاهي أهم أكبر المصانع والمعامل في العالم بهدف تشغيل ثلاثة ملايين شاب سعودي؛ وذلك:

أولًا- عن طريق تشجيع مصانع العالم لفتح فروع لها مقابل تسهيلات حكومية، كالأراضي والقروض، مقابل تشغيل هذا العدد من الشباب، ويكون ملكيتها 50% أجنبي لمدة 30 عامًا قابلة للتمديد لكي تحقق نجاحات، و50% مساهمة مطروحة للمواطنين وصناديق الدولة.

وثانيًا- عن طريق تشجيع رجال الأعمال والرواد الشباب للاتجاه للتصنيع والإنتاج بدلًا من التركيز على مجال العقار والأسهم. ومن المصانع المقترحة على سبيل المثال ما يأتي:

-  فتح 200 مصنع في صناعة النخيل ومشتقاتها، بما فيها التمر والخشب والعصير والمكملات الغذائية وزيوت النخل ومشتقات الدواء والمعادن والفيتامينات والأعشاب.

- 200 مصنع لتصنيع مشتقات البترول وتحويلها من مواد خام إلى مواد مستهلكة.

-  200 مصنع لتصنيع الأجهزة الإلكترونية والكهربائية.

- 200 مصنع لتصنيع السيارات والشاحنات والمعدات والأدوات الثقيلة وقطع غيارها.

- 200 مصنع لتصنيع الأغذية والحلويات والشوكولاته والمكسرات والمنتجات الزراعية ومشتقاتها وأدواتها وما تحتاج إليه الزراعة.

- 500 مصنع ومعمل لتصنيع الأدوات التعليمية والترفيهية والأثاث والبناء وخدمات الإسكان والسياحة والتراث والحج والهدايا والملابس والأحذية والجلديات وغيرها من المجالات الأخرى.

هذا الكم من المصانع والمعامل تحتاج إلى أيدٍ عاملة ومدربة على مستوى عالٍ من التدريب في كل المجالات المهنية. ولا يكون ذلك إلا  بتطوير مستوى التعليم من المراحل الأولى، وخلق وعي بأهمية العمل لدى الطالب منذ الصغر، وتدريس استراتيجيات النجاح والقيادة وأنماط الشخصية والإدارة واحترام الوقت والاعتماد على الذات والريادة وسلوكيات العمل مع الفريق وغيرها، بجانب ذلك كله نحتاج أيضًا إلى:

1- فتح 200 كلية ومعهد تطبيقي ومراكز تدريب وبحوث شبه حكومية منوعة في مجال إدارة الأعمال والنظم والتقنية والحاسب والسكرتارية والإدارة والمحاسبة والتسويق والتصميم والبرمجة والطب والعلوم الصحية والمهن العامة، كالسباكة والكهرباء والدهانات والسمكرة والنجارة والتصنيع والتعدين.

2- إنشاء 50 مركز أبحاث كفروع لأشهر 10 جامعات ومراكز بحوث عالمية، مثل: هارفارد وأوكسفورد وكامبريدج وغيرها. ويمكن أن يستخدم بعضها مقررات الكليات والجامعات السعودية والمجمعات، لكن في فترة المساء لتخريج 3 ملايين شاب يعملون في المصانع وقطاع الأعمال والتجارة والصحة وغيرها من المجالات التي ذكرناها خلال 20 عامًا قادمة، على ألا تزيد فترة الدراسة عن عامين ولا تقل عن ستة أشهر، ويُركز فيها على الجانبين الميداني والتطبيقي.

3- بجانب ذلك فإننا أيضًا نحتاج إلى تشجيع القطاع الخاص لفتح كليات تجارية صغيرة مساهمة عامة ومدعومة من الدولة داخل الأحياء وتكون مسائية في مقار المدارس الثانوية الكبيرة لمدة عامين؛ أحدهما دراسي تطبيقي في الكلية.

وفي السنة الثانية يباشر الطالب فيها عمله في سوق العمل بإشراف مدرب من الكلية براتب وظيفي، وتكون خاضعة لإشراف الجامعات المذكورة سابقاً، وتُقدم فقط برامج عملية ولا تدرس مواد نظرية مثل الحاسب، والإنترنت، والتصميم، والإدارة، والسكرتارية، والعلاقات، والتسويق، والكهرباء، والبناء، والميكانيكا، والحدادة، والسباكة، والفندقة، والعمل بالقطارات والطيران، والسياحة، ورعاية الحدائق، وغيرها من المهن التي يحتاجها سوق العمل.

الهدف الثاني- يسعى إلى تحويل بعض شركات الدولة والنوادي الرياضية والأدبية إلى الخصخصة، وفتح أكثر من شركة منافسة تمتلك الدولة 40%، منها ويمتلك المواطنون 30%، في حين يمتلك المشغل الأجنبي الـ30% المتبقية. ومن ذلك المستشفيات والمراكز الصحية، وشركة الكهرباء والماء والوقود والصرف الصحي، وإدارة الطرق والنقل البري والجوي والبحري والمطارات، وصالات الانتظار والبريد والأسواق العامة، كأسواق الخضار والفاكهة والماشية وأماكن ذبح الماشية والسجون، ودور الرعاية والملاحظة، ومراكز البحوث والجودة، وبعض المراكز التعليمية، وبعض مؤسسات خدمات الحجاج والمعتمرين والنوادي الرياضية التي ترهق كاهل الدولة، والملاعب الرياضية والنوادي الثقافية والأدبية، ويكون تحويل هذه المؤسسات والشركات على مراحل استراتيجية.

الهدف الثالث- يسعى إلى فتح مؤسسات محترفة، وصناديق ناجحة للادخار طويل وقصير الأجل، ويمكن أن يكون أحد هذه الصناديق متخصصًا بتوفير سكن بشرط أن تكون هذه الصناديق آمنة ومربحة للمواطنين الراغبين في استثمار أموالهم بعيدًا عن البورصة ومخاطرها.

الهدف الرابع- يقوم على فتح مجال الاستثمار العقاري للشركات العالمية الأجنبية الكبرى والمتخصصة بمجال إقامة الأبراج والمجمعات السكنية للتمليك والإيجار، والمنتجعات للمواطنين الراغبين في السكن أو المستثمرين، وكذلك المشاريع الترفيهية، والأماكن السياحية، ومراكز محطات الوقود على الطرق السريعة في كل مدن المملكة بما فيها مكة والمدينة، على أن تكون بتملك محدود للمستثمر بسنوات "صبرة" مثل 30 سنة "less" قابلة للتمديد بعقد جديد؛ وذلك لتشغيل مليون شاب في هذا القطاع، وتحديد نسبة الأرباح بما لا يزيد عن 20% سنويًّا كحد أقصى، وكذلك تطوير عمل البورصة ورفع مستوى الشفافية والأمان ورفع مستوى الوعي بين المساهمين والمضاربين فيها.

الهدف الخامس- ويشتمل إقامة نظام التأمين الصحي للمواطنين، وأن يكون مدعومًا من الدولة، وتحويل المستشفيات الحكومية إلى شركات مساهمة كمستشفيات عالمية يملك فيها المشغل الأجنبي 40%، و60% تطرح مساهمة عام.،

د. عبدالله القفاري أستاذ جامعي في لندن @alqefari

 

وللحديث بقية في الحلقة القادمة إن شاء الله

الاثنين - 09 شعبان 1437 - 16 مايو 2016 - 09:15 صباحا ً
1
21528

بداية أشير إلى أنه في اللقاء المتلفز والذي انتظره الملايين من الناس كان الأمير يتكلم عن أهداف بعيدة المدى للمملكة العربية السعودية ٢٠٣٠، وليست خطة خمسية كما قد يفهمها الكثيرون، وبينهما فرق شاسع، ليس مدار حديثنا اليوم. وهذا يعني أن الرؤية ليس فيها إجراء تنفيذي، ومما يميز هذه الرؤية وبحسب شركة مكينزي المتخصصة في التخطيط الاستراتيجي والتي أعدت هذه الرؤية،  فإن تطبيق هذه الاستراتيجية سيمكن المملكة العربية السعودية من مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، إلى نحو 800 مليار  دولار، فهذا هدف كبير وتحدٍ واضح.

ثانيا: إن هذه الأهداف سوف تدخل في الخطط الاستراتيجية والتشغيلية السنوية للوزارات والمصالح الحكومية وشبه الحكومية، والتي تقوم على نقاط القوة التي ذكرها الأمير وهي العمق العربي والإسلامي والقوة الاقتصادية العالمية للمملكة، وكذا العمق الجغرافي البري والبحري للمملكة.

كما أشار سمو الأمير في لقائه إلى تحديد ٧٠ بندًا لزيادة دخل الدولة من غير عائد النفط، وهذا مؤشر جيد لمعرفة نقاط قوتك لتركز عليها. ولعل أنسب عبارة أطلقها سمو الأمير تعكس ما تصبو هذه الرؤية إلى التخلص منه هو "حالة الإدمان النفطية التي عطلت تنمية القطاعات الأخرى".

ثالثا: الرؤية تُنْبِئ بأنها عهد جديد في ترسيخ الرأسمالية المتحفظة التي نحتاج إليها لمحاربة البيروقراطية الحكومية والاتجاه للخصخصة التي نادينا بها طويلا، وكذلك عدم الاعتماد على البترول كمصدر للدخل؛ ولكن من جانب آخر فثمة ملحوظة مهمة وهي أنه قد تصطدم بعض التغييرات والتعديلات مع الأعراف والعادات والتقاليد السعودية التي يجب المحافظة عليها والاهتمام بها.

رابعا: في كثير من الرؤى وخطط الإصلاح غالبا ما تنشأ معركة شرسة بين الفساد والإصلاح المالي والاقتصادي على مستوى الطبقة العليا خاصة، وقد يعوق أحدهم الآخر، والبقاء للأقوى كما جرت به العادة في القوانين والسنن الكونية.

خامسا: بحسب بنود هذه الرؤية فالتجارة ستكون حرة، وهذا من شأنه أن يَصُب في مصلحة المشاريع القوية الكبيرة بينما في المقابل ستخرج الكثير من المشاريع الصغيرة.

سادسا: ستتوافر الفرص الوظيفية لأصحاب الكفاءات، وهذه فرصة لكل شاب يسعى لتطوير نفسه وإمكانياته. وفي جانب آخر يتعلق بالتوظيف فقد أشار سموه في مقابلته التليفزيونية إلى البطاقة الخضراء "الجرين كارد" للمقيمين، وهذا أيضا مؤشر جيد لتوطين اليد العاملة والعقول المميزة إذا كانت تخضع لنظام سليم ونزيه.

سابعا: فرص صناعية كبيرة قادمة خاصة في مجال التعدين والتسليح والعقار ومجال البحار.

ثامنا: فتح السياحة للقادمين للمملكة سيكون له عائد قوي على الاقتصاد والمجتمع السعودي كَكُل، وكذلك سيكون دافعا إلى إنشاء مراكز عقارية منوعة ومشاريع ترفيهية وزيادة في خلق فرص للعمل.

تاسعا: ربما يعاني أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، وهذه ضريبة الإصلاح الاقتصادي إلا في حالة تركيز الرؤية بشكل أساسي على تطوير الخدمات الاجتماعية للدولة والمؤسسات الأهلية، وعلى تشجيع المؤسسات الخيرية لدعم هذه الفئة من المجتمع فهم أولى من غيرهم بالرحمة والحنان، وقد كان شعار نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: "أبغوني ضعفاءكم فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بهم".

عاشرا: سمو الأمير كان واضحا وصريحا ومتواضعا في كلامه عن الخطوات القادمة، وأنها قد تواجه تعثرات يمكن تجاوزها مع الزمن وهذا مؤشر سليم لمعرفة المخاطر لوضع الحلول الوقائية لها.

الحادي عشر: إن تحويل شركة أرامكو وما ينضوي تحتها من شركات سيكون له انعكاس إيجابي على البورصة إذا طبق بالشكل الصحيح، علما بأن المنافسة ستكون شرسة في التداول، وسينتصر في المعركة القوي الخبير على الضعيف الذي قد يدخل عالم البورصة دون تدريب أو خبرة، وأعني بالخصوص المواطن العادي وسيكون فريسة سهلة للمتداولين  المتمرسين.

الثاني عشر: الرؤية الجديدة تتجه للعمل المؤسسي أكثر من الفردي، وأن الفصل سينال كل مسؤول مقصر مهما علا شأنه.

الثالث عشر: سمو الأمير في حديثه أغفل قضايا حساسة، وهي حديث المجالس، ربما لإحالتها إلى مزيد من الدراسة والتأني في انتظار اتخاذ قرار بشأنها، كما أنه أغفل عنصر التطوير في مجال الحكومة الإلكترونية والتي هي عنصر أساسي لمحاربة الفساد والبيروقراطية.

الرابع عشر: حاولت كثيرا أن أُرَكِّز على لغة الجسد للأمير، ومما لاحظت من خلال بعض اللقطات مع إخفاء المخرج ليَدَيّ الأمير في جل اللقاء، كان الأمير يُشٓبِّك يده قريبا من بطنه مع حركات بسيطة في خده وفمه خاصة خلال حديثه عن القضايا التي تخص المواطن، مثل رفع الأسعار والمياه، مما يشير إلى التحفظ الذي يشعر به الأمير وكانت لغته الجسدية أيضا تشير إلى الوضع الدفاعي أكثر من العرض والتقديم وقد صَرَح أنه لن يمس المواطن الأقل دخلا والمتوسط أي ضرر. ..الخ

وكذلك في معرض حديث الأمير عن موضوع أرامكو الذي يثير الأهمية والقلق كان الأمير مغلقا يده قليلا ويحرك رأسه ويخرج لسانه وكأنه يعطش، حتى إنه في إحدى اللقطات حاول أن يفتح يديه لمدة يسيرة ولم يستطع الاستمرار، ثم عاد سريعا وشبكها على بطنه وضغط على أصابعه مما يدل على أهمية الموضوع والصراع فيه.

بينما من جانب آخر، كان سمو الأمير صريحا في كلامه عن وزارة الدفاع وما فيها من هدر للمال، وأشار إلى أن هناك توجها لتطوير هذا المجال، وكأن هذا السؤال أعطاه راحة تامة في الحديث، وأطلق يديه وحركها للأعلى إشارة  إلى ارتياحه التام مع عدم التحفظ في الحديث عن هذا القطاع، وربما يعود ذلك لكونه المسؤول الأول عن هذا القطاع.

في الجملة، لغة الأمير كانت هادئة متزنة، ميزتها الثقة العالية في النفس، وكان يرفع رأسه أحيانا ويشد صدره للوراء ويضع يده بشكل يوحي بأن شخصيته تحليلية، وقد تكون شخصية القائد المؤثر الصارم على مقياس ديسك DISK، كما قد يكون نمط شخصيته من D/i، مما يعطي صورة أن لديه ثقه بالرؤية الجديدة، وهذا يوضح إلى أن القرار بيده وأنه لا رجعة فيه ما دام في منصبه الحالي.

كما يلاحظ- أيضا- أنه من خلال الثقافة الاقتصادية التي يمتلكها أننا مقبلون على دولة شابة منفتحة، تسعى إلى نقل التطوير بشكل سريع، قد يواجه مطبات صناعية من دينصورات داخل الوزارات ووكلائها وهذا ما قد يدفع الأمير للاعتماد على وجوه جديدة شابة ومدربة، وأصحاب همم عالية للوصول إلى هذه الأهداف، يقدمون أنفسهم في الميدان قبل العاملين معهم في الفريق، فقد كان الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- يضع نفسه بما يضع به أصغر أفراده فقد كان في سفر وأمر أصحابه بتجهيز شاة، فقال رجل: يا رسول الله، علي ذبحها، وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر: علي طبخها، فقال عليه السلام وعليّ جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل قال: علمت أنكم تكفونني؛ ولكن أكره أن أتميز عليكم ، إن الله سبحانه وتعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه...

وختاما:

فإن الظهور الإعلامي لسمو الأمير والحديث عن الشفافية مؤشر إيجابي كبير للنجاح، فأول الغيث قطرة، ولعل أن يعقبه خطوات تنفيذية ولقاءات عملية لتجاوز العقبات والتحديات.

كما أن الرؤية لها أهداف كبيرة جدا وتحديات جبارة، ولكن هذه الأهداف هي التي يجب أن تكون، ومجرد تحقيق ٧٠% منها يعتبر نجاحا في عالم التخطيط وعلم الادارة.

 

@alqefari

 

                                  

الأربعاء - 04 شعبان 1437 - 11 مايو 2016 - 09:38 مساءً
7
158232

صادق خان رجل عصامي مسلم ، ابن رجل باكستاني مهاجر وفقير، كان أبوه يعمل سائق حافلة (باص)، والان هذا العصامي يهزم الرجل الثري ابن الحسب والنسب من ابوين يهوديين، صاحب الأرض والوطن، ليشغل منصب عمدة مدينة لندن أهم عاصمة غربية في أوربا..!

انتخب صديق خان كأول مسلم يتولى منصب عمدة العاصمة البريطانية لندن، وذلك في الانتخابات المحلية التي جرت الخميس الماضي.

كان صديق خان، الذي يبلغ من العمر 45 عاما، واحدا من بين ثمانية أبناء لمهاجر باكستاني وزوجته، حيث كان يعمل أبوه سائق حافلة وتعمل أمه خيَّاطة، وكانوا يقطنون مسكنا وفرته لهم الخدمات الاجتماعية، وعاش مع والديه وإخوته في مسكن ضيق يحوي 3 غرف للنوم، في مجمع "هنري برنس" السكني في ضاحية إيرلسفيلد جنوب غربي لندن، وشارك صديق أحد إخوته الذكور في سرير من طابقين، إلى أن غادر المنزل في العشرينيات من العمر، ولو كان في أحد دول العالم الثالث لكان في أحد مراكز الترحيل.

وتربى خان على القيم الإسلامية، ولم يتنصل يوما من الإعلان عن أهمية عقيدته، وفي أول خطاب له كعضو بالبرلمان تحدث عن كيف أن أباه علمه تعاليم النبي محمد، و أن الشخص الذي يجد شيئا خطأ عليه "أن يعمل على تغييره"، وافتخر في خطاب الترشح لعمدة لندن أنه مسلم بريطاني.

تزوج صديق"سعدية أحمد"، وكانت بالمصادفة ابنة لسائق حافلة، وأنجبا ابنتيهما أنيسة وأماره..درس خان القانون في جامعة نورث لندن وتخرج منها، و مضى محاميا متدربا في قضايا حقوق الإنسان عند أحد مكاتب المحاماة، حتى أصبح له مكتبه الخاص، ودافع عن كثير من المسلمين المتهمين بالإرهاب في المحاكم البريطانية.

وفي عام 2009 تولى خان منصب وزير النقل والمواصلات، وأصبح أول مسلم ينضم لمجلس الوزراء في تاريخ بريطانيا وتميز خان بقوة خطابه وطلاقة لسانه، وجذبه للانتباه حينما يتحدث.

وكان أشد منافسيه غولد سميث اليهودي الديانة من الحزب الحاكم، وقد حاول هذا المنافس خلال حملته الانتخابية مهاجمة خان، واتهامه بأنه دائما ما "أعطى منصة أكسجين وغطاء للمتطرفين السنة". كما هاجم رئيسُ الوزراء البريطاني صدِّيق بنفس التهمة وبأسلوب غير مباشر، واتهمه بأنه زار أماكن يتواجد فيها متشددون، كما استماتت بعض الصحف والمواقع البريطانية في حملة ممنهجة لتخويف الناخبين منه.

وحاول بعض المتحالفين معهم عبر حسابات مجهولة في تويتر ترويج أنه شيعي، ومن ذلك حساب غير رسمي للشيعي الكويتي عبدالحميد دشتي، كل هذا بهدف زعزعة المراكز الإسلامية السنية والناخبين المسلمين السنة في بريطانيا و دفعهم لعدم انتخابه.

ومع الأسف، فإن بعض مواقع التواصل الاجتماعي في بلادنا صدقت هذه اللعبة، ونقلها البعض على أنها مسلمات وشارك في الغيبة والمكيدة إما لجهل منه أو حرص غير مبرر، و دخل على الخط آخرون يحملون نفس الأجندة الاعلامية الدشتية التي تهدف لمحاربة كل مافيه روح إسلام سياسي سني.

ومع هذه الزوبعة إلا أن هناك عددا كبيرا من الناخبين البريطانيين والإعلاميين المحايدين لم يتأثروا بهذه الافتراءات، ومن بينهم ﻛﻴﻔﻦ ﻣﺎﻏﻮاﻳﺮ ﻧﺎﺋﺐ رﺋﻴﺲ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺻﺤﻴﻔـــﺔ دﻳﻠﻲ الذي أعرب عن أمله بأن يكون فوز خان انتصارا للتسامج وهزيمة للإسلاموفوبيا في بريطانيا، كما يظهر أن البريطانيين مستعدون للتصويت لصالح المرشحين المسلمين على أساس برنامجهم السياسي، بعيدا عن انتمائهم الديني كما أنهم صوتوا ضد من شنوا حملة قذرة ضد خان بسبب عقيدته.

وفي نفس السياق وصف الكاتب والصحفي فراس أبو هلال فوز خان بأنه لحظة تاريخية للمسلمين في أوروبا، واللندنيين بشكل خاص الذين أثبتوا أنهم لن ينخدعوا للأصوات التي حاولت عزل خان لكونه مرشح مسلم، وبسبب عمله السابق في الدفاع عن معتقلين إسلاميين من النشطاء السنة الذين اتهموا بالإرهاب.

#الحقيقة...

خلال هذه الزوبعة تواصلت مع مجموعة من الأشخاص البارزين في بريطانيا و الذين لي علاقة جيدة بهم، وكان منهم عدد من المحامين المسلمين المتدينين، وعدد من الاعلاميين وطبيب أسنان، وكذلك ٣ دعاة في مراكز إسلامية سلفية، وبعض الأخوة من الجالية المسلمة، وكذا ما اشار اليه أخي د. حمد الماجد -صاحب ١٤ سنة خبرة في العمل الإسلامي في أكبر مراكز ومساجد لندن، ولا يزال له نشاطه هناك- جميعهم أكدوا بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل سني، وأنه كان يصلي في مسجد توتينغ Tooting Mosque في حي توتينغ الشعبي في جنوب لندن.

ومن بين التهم التي أُلصِقت بصديق خان من بعض الجهات البريطانية أنه صديق لإمام المسجد الذي كان يصلي فيه، والذي حسب رأيهم يحمل أفكارا متشددة، وأما ما انتشر على أنه شيعي فلا يعدو أن يكون حربا سياسية لإضعاف جانبه أمام منافسيه و صرف أصوات الناخبين المسلمين السنة لكثرتهم في لندن عن انتخابه.

وكل من تواصلت معه من البريطانيين أجمعوا على أنه أفضل خيار لكل الجاليات والأقليات في بريطانيا، بما فيها المسلمة، وكذلك هو أفضل خيار بين المتنافسين لدعم المسلمين في لندن وتسهيل نشاطاتهم وتقديم صورة أمام العالم أن المسلم يعمل في أي مكان لخدمة وطنه. وأما ما يصوره الإعلام أنه له صلة بمتشددين لا يعدو كونه أجندة معدة لحرب الإسلام السياسي، و لقد عرف عن صديق خان في كل مراحل حياته السياسية أنه كان دائما يساند قضايا الجالية المسلمة، نشيطا في مناصرتها، و قد وقف مع كثير من المساجد السنية، وهو عضو رسمي في المجلس البريطاني الإسلامي الذي هو حلقة وصل بين الحكومة البريطانية والجالية المسلمة.

# لدي بعض الوقفات مع هذا الأمر:

1.لم أستغرب هذه الحملة الشرسة التي بثت على أيدي مواقع أكثرها سعودية لعلمهم بحساسية ملف المذهب السني الشيعي لدينا، و أن هذه التهمة أسرع طريق لتحريك عواطف السنة، وهي أنجع وسيلة للانتشار عبر الترند العالمي.

2. و بالنظر إلى ما كُتِب من أن صديق خان له مواقف مؤيدة لحرب صدام، أو التصويت لصالح زواج الشاذين جنسيا، فهذا ليس له دخل في مقياس الناخب المسلم، لأن الناخب ينظر للمصالح العامة للجالية المسلمة دون النظر للشطحات السياسية أو الأخلاقية، والتي تنطلق أحيانا من منطق المجاملة البرغماتية التي يراعي فيها المرشح توجهات حزبه. أما بالنسبة لحرب الخليج فقد أيدها كثيرون بما فيهم قادة وعلماء من الخليج، فضلا عن أن صديق خان كان في هذا الشأن موافقا لتوجهات حزبه...

في ظل كل هذه المعطيات يجب أن نفهم أن الناخب المسلم في لندن يرى أن صديق خان هو الخيار الأنسب للمسلمين، و إن لم يكن هو الخيار الأمثل عند البعض.. وفي الجانب الآخر فإن المنافس الأبرز له كان هو المرشح اليهودي "زاك قولد سميث" والذي يرى التضييق على الجاليات والأقليات و له موقف سيّء في موضوع الهجرة وغيرها، و كلها ملفات عواقبها السيئة من شأنها أن تعود بالضرر على المسلمين في بريطانيا وخارجها فكان لزاماً أن يكون صديق خان هو الخيار الأنسب في هذا الوقت بالذات.

وهذا ربما أشبه ما يكون باختيار الرسول عليه السلام للنجاشي في الحبشة، ففي السنة الخامسة للدعوة أرشدٓ الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بترك مكة والهجرة إلى الحبشة لأن فيها "ملكاً لا يُظلم عنده أحد، عادل في حكمه، كريم في خلقه"، وهناك يستطيعون العيش في سلام آمنين على أنفسهم وعلى دينهم، دون النظر إلى دين مَلِك الحبشة و شركه آنذاك، لأنه كان الخيار الأنسب لهم، وهذا يتناسب مع قوانين السياسة الشرعية التي تكلم عنها كثيرا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

٣. لقد اختار المسلمون في لندن صديق خان كعمدة لمدينتهم لأنه الأنسب لهم من بين المرشحين، والأقرب إلى تحقيق مصالحهم المحددة دون النظر لأي أمر آخر سواء تعلق الأمر بشخصيته أو ما بينه و بين ربه.

إننا إذا نظرنا في التاريخ الإسلامي نجد أن بعض الخلفاء، و هُم مٓن هم، وفي بلاد تحكم الشريعة، لم يسلٓموا من الوقوع في اللهو الحرام ومعاقرة الخمر، ومع ذلك توحد المسلمون تحت رايتهم، و فتحوا الأمصار، وبنوا الدار والعمار، وهذا لا يقلل من سوء ماعملوا، ولكن كانوا هم الخيار الموجود الذي يصعب الحياد عنه في مفهوم السياسة الشرعية.

وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد ذكرتني هذه الحملة ببدايات دخول الحزب الإسلامي الانتخابات في تركيا قبل سنوات مضت، حينما هاجمه العلمانيون الأتراك، واتهموا قياداته أنهم يستغلون الدين للفوز بالانتخابات واغتر بهم بعضا من في بلادنا..!

وها نحن نرى بعد هذه السنوات كيف عادت تركيا إلى حاضرة البلاد الإسلامية، و عادت مظاهر الدين في حياتهم، و تغيرت كثير من القوانين لصالح الشعب التركي المسلم. و يجدر هنا أن نذكر ما يشير إليه د. عبدالله النفيسي أن كثيرا من القيادات السنية لا يزال لديهم قصور في فهم واقع العمل السياسي، وأن لدينا عاطفة جياشة غالبا ما تسبق التحليل العميق للواقع والمصالح المشتركة.

4. أستغرب ممن يكتب عن هذا المرشح وهو لا يعرفه و لا يعرف تاريخه، إنما شاهد تغريدة من معادٍ له ثم قام بنشرها والاستماتة في الدفاع عنها، وكأنها دين يسأل عنه يوم القيامة، بل إن بعضهم يتكلم و كأنه وكيل على المسلمين في العالم، ويحذر وينذر دون أي تثبت أو نظر إلى مآلات الأمور التي يبثها بين الناس، يتصرف و كأنه أعلم من المسلمين البريطانيين بمن هو صديق خان، وأنه أعلم بما هو خير لهم. وفي المقابل لو سألته ماهو البديل..؟ لقال لك: هذا لايعنيني، المهم أن أحذر منه..!! طيب، إذا كان لا يعنيك فلماذا تحذر منه..!! والأعجب من ذلك أنه بكلامه هذا هو يدعم المرشح المنافس الذي لا يشك أحد في ديانته اليهودية التي يفتخر بها، وهو لاشك سيضيق على برامج المسلمين حال فوزه وعلى المهاجرين والمستضعفين.

من أجمل المواقف لصديق خان والتي نشرتها جريدة ديلي ميل عندما طلب منه القصر الرياسي القسم على الانجيل اعتذر وقال انا مسلم ولا اقسم الا على القران فاخبروه انه لايوجد في القصر قران فاحضر مصحفا معه واقسم عليه وعندما هم بالمغادرة ناولوه المصحف واعادوه اليه ولكن كانت نظرته بعيده وطموحه عالي فقال دعوه في القصر للمسلم الذي سوف ياتي بعدي.

5. وأخيرا: للأسف لدينا ثقافة الأنا وحب التعالم وإصدارالأحكام دون بينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا" و أنا لست ضد المشاركة والتحليل للوقائع السياسيه، ولكني ضد التمييز والتهييج وإلقاء التهم بدون دليل.
وما أجمل أن ندع أمر لندن لأهل لندن من المسلمين وان لاننقل مشاكلنا ومعاركنا للمسلمين هناك فهم أعلم بأمور دينهم ودنياهم كما قال عليه السلام انتم اعلم بامور دنياكم.

الاثنين - 19 رمضان 1436 - 06 يوليو 2015 - 11:45 صباحا ً
0
213

عملية مسجد الصادق بالكويت نفذها شاب ربما كان في سن العاشرة من عمره عندما حدثت كارثة 11 سبتمبر 2001 - وهو حدث فاصل بين مرحلتين - وليس من جيل الصحوة ولا اعتقد أنه لازال أسير خطابها القديم. إنه من جيل مواقع التواصل الاجتماعي، والنظام المعرفي العابر للحدود. انه من جيل الحرب الطائفية الاعلامية التي تتلبس بالجهاد وتتورط فيها كل مكونات الطائفية في المنطقة الممتدة من اطراف الشام الى العراق. وإذا افترضنا انه كان متأثرا بالنظام المعرفي التعليمي او الوعظي او الدعوي، الذي يتهم اليوم بأنه يحرض على الطائفية ويكرس مفرداتها.. فماذا عن الآخر الشاب التونسي، الذي قتل في ذات الجمعة 38 سائحا.. وهو الذي يدرس في مرحلة الماجستير في تخصص علمي.. والذي يعتقد انه من جيل تعلم في عهد تجفيف المنابع في تونس قبل ثورة ديسمبر 2010.

الاثنين - 12 رمضان 1436 - 29 يونيو 2015 - 12:38 مساءً
0
1857

من السهل ادانة الاخر.. من السهل التبرؤ من تبعات هذا الكابوس الذي يغشى المنطقة ويطلق اعنف موجات من القتل والاستباحة والتدمير والانتهاك.. باعتبار ان المؤامرة كبرى والقوى الضالعة فيها متمكنة وهي تريد اغراق هذه المنطقة في كابوس طويل من الاقتتال والتدمير والتفتيت.. الا انه من الصعب ان نناقش لماذا نحن وحدنا فقط ضحايا مؤامرة من هذا النوع الكارثي؟ ولماذا يسيطر علينا حديث المؤامرة أكبر من كثير من محاولة تفتيش في الذات الضحية؟ واذا كانت المبررات كافية لنرى انفسنا فعلا الخطر الاكبر على المشروع الغربي الامريكي الصهيوني في المنطقة!!.. فلماذا بعد تلك الحقب الطويلة من بناء الدولة لم نقو على مواجهة هذا المخطط القاتل ولماذا استسلمنا لنرى انفسنا بين قاتل وقتيل؟