سعد بن عبد القادر القويعي
عدد الآراء :29
الأربعاء - 29 ذو الحجة 1438 - 20 سبتمبر 2017 - 08:20 مساءً
1
978

مرة أخرى، يثير الكاتب السعودي جمال خاشقجي، جدلًا واسعًا، بعد نشره مقالًا في صحيفة "واشنطن بوست"، تناول فيه الإجراءات الأمنية الأخيرة التي اتّخذتها السعودية؛ مستهلًّا مقاله بالعبارة التالية: "عندما أُحدّثكم عن الخوف، والتهديد، والاعتقالات، والتشهير بمثقفين، ورجال دين، كان لديهم ما يكفي من الجرأة؛ للتعبير عن آرائهم، ثم بعد ذلك أُخبركم أنني سعودي، هل ستُفاجؤون؟". ثم بعد ذلك، يحاول التهوين من وقع المقال بتغريدة عبر حسابه في "تويتر"، قائلًا: "لم أستمتع بكتابة هذا المقال بالواشنطن بوست؛ ولكن الصمت لن يخدم وطني، ولا من اعتقل "؛ الأمر الذي سيجعلني لا أجانب الصواب إن قلت: إن خطاب خاشقجي بانتقاصه من الخطوات الأمنية للدولة، والخوض في مشروعية تلك القرارات، وذلك من خلال دعم لا محدود من انتقاء أطر خطابية محددة، شجّعت على نفث سموم التحريض، والكراهية، وشكِّلت أهم داءٍ لا يوجد له دواء، والذي شكّل حالات متعددة من الاستقطاب، أراد من خلالها شيطنة الإجراءات، وبناء وقائع لا يتفق مع واقع المجتمع السعودي الواعي.

كانت تحريضاته الباطنة، والظاهرة، والداخلة، والخارجة في الإعلام الرقمي والاجتماعي في الفترة الأخيرة، شغله الشاغل لبداية من الإشكالية، مرورًا بالمقاربة النظرية للمضمون، وصولًا إلى أشكال التوظيف القذر؛ من أجل التستّر على أهدافه المشبوهة، ومقاصده الخبيثة، حين تحول إلى مجرد ساعي بريد؛ لنقل رسائل الدفاع عن منهج الإخوان المسلمين، وترويج أفكاره الهدامة -تارة باسم الدين، وتارة باسم النصيحة- والعمل على نشر الكراهية، والتحريض، والاستقطاب، وإزداء الآخرين.

التحريض على الدولة يجب أن يتم تجريمه جنائيًّا؛ بناءً على ما كان قد قام به من أعمال التحريض عبر تغريداته المسيئة للوطن، وعلاقاته المشبوهة مع الإعلام الغربي، ومراكز الأبحاث، والدراسات الأمريكية، والتي باتت منصات لترويج العداء للأوطان وقضاياها، والذي سيعد مسؤولًا عن جريمة التحريض متى وقعت، وسيصبح مشاركًا في ارتكاب الجريمة. ومع تصاعد الجدل المجتمعي -مؤخرًا- حول ما يعتبر تحريضًا على العنف أو العداء، فإن تقديم صورة عن جزء من المشهد الظلامي، والإضاءة على خطاب خاشقجي التحريضي الذي آذى البنية الأخلاقية والقيمية، وذلك عن طريق خشية النظر إلى التأثير الميداني لمثل هذا الطرح، والهروب من الحقائق، وذلك في سياق ما قد تكتسب تلك الممارسات المشبوهة من دلالة خطيرة؛ لفقدان المبدأ اللاواعي الذي ينتهجه، ويتبناه.

ظن خاشقجي أن تغلغل خطاب التحريض، والكراهية، بعيدًا عن آثار المسؤولية عن نتائج التعبير، والتشكيك في رموز الإنسانية الوطنية، وإرادة الدعوة للكراهية، سيؤذن له بخراب النظام العام للمجتمع؛ لكنه نسي أن العقيدة الصحيحة، والتراكمات القبلية، والتاريخية، والاجتماعية في مجتمعنا أقوى بكثير على رد الفعل المعتاد على خطابات الكراهية الموجهة ضدهم، ومدى وجود إدانة اجتماعية بالإجماع لمثل هذا النوع من الخطابات الرخيصة.

لجم صوت هذا المارق، والحدّ من رغباته في تحقيق المكاسب، بعد أن تعدى على النظام العامّ، وهيبة الدولة، ومكانة العلماء في السابق، وانكشف الغطاء عن اللبوس الإخواني الذي تلبّس به خاشقجي، إضافة إلى نزع "لبوسه" الأخلاقي الذي استقوى به خطابه التحريضي؛ ولأنه لا يستحق الالتفات لعبثه المستمر في الإساءة، فإن الموقف الوطني المسؤول سيكون بعيدًا عن تشويه، وتطاول متعمد للتاريخ، والقيم، والتقاليد، والأخلاق.
[email protected]

الخميس - 23 ذو الحجة 1438 - 14 سبتمبر 2017 - 06:28 مساءً
0
5085

الأمن , والاستقرار, من المقومات الأساسية التي تقوم عليها الدول. كما أنهما من المطالب الضرورية في الحياة؛ ولأن بلادنا محسودة على ما تتمتع به من صفاء العقيدة, وسلامة المنهج, ووحدة الصف, في زمن يشهد كثيرًا من الفتن, واضطراب الأمور, وتبدل مفاهيم بعض المخدوعين, وإشاعة البلبلة في المجتمعات الآمنة- خصوصا- في أوقات ضعف الأمة, وكثرة المتربصين بها, فإن الواجب المفصلي في هذه المرحلة الحرجة, يقتضي إحباط المؤامرات, وإجهاض المخططات, عن طريق الوقوف على أسبابها, والصبر على غصص معالجتها؛ من أجل النهوض بالوطن إلى مرافئ الأمان, والاستقرار .

 

لا نريد أن يظل شبابنا- بالذات- في غياب دائم أمام مجمل القضايا الوطنية, أو أن يكونوا هدفًا لصراعات حزبية, ومذهبية, وطائفية, ومناطقية ضيقة, من أصحاب النزعات المتطرفة, والذين يهدفون إلى تظليل الأجيال, وزرع حالة اليأس, والإحباط في نفوسهم. ومن هنا يأتي مشروع التصدي لمثل هذه الأفكار الظلامية, والقضاء على الأحلام المقيتة, والرامية إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء- وعليه- فإن تحقيق الانسجام بين ما يؤمن به المجتمع, وبين ما يعيشه, وما يتطلع إليه, يقتضي تحصين الفكر من الانحراف؛ حتى وإن تعدد النسيج الفكري، والثقافي, والسياسي, والاجتماعي, لمختلف شرائح المجتمع, ولن يكون ذلك إلا وفق قاعدة حقيقية للقيم الوطنية, وانتهاج مبدأ الاعتدال, والوسطية, بعيدًا عن كل أشكال الغلو, والعنف, والتطرف. والعمل- كذلك- على حمايته من لعبة التجاذبات السياسية الخارجية, والداعية- مع الأسف- إلى تمرير مشاريع استهداف الأمة في دينها, وعقيدتها, ووحدتها, الأمر الذي يقتضي الحرص على سلامة الدولة, وحماية مقوماتها الوطنية من جميع أشكال التهديد الخارجي, التي تحاول النيل من وطننا, أو وحدتنا الاجتماعية.

 

من القواعد المقررة في الفقه عند أهل العلم المعتبرين, قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد", وهذه القاعدة من أنفع القواعد, وأعظمها, وأكثرها فائدة. فالوسيلة بمنزلة وسيلة النقل, والمقصد بمنزلة المكان المقصود, وعليه, فما لا يتم الواجب إلا به, فهو واجب, وإذا كان منهيًا عنه عن شيء, كان منهيا عن جميع طرقه, وذرائعه, ووسائله الموصلة إليه.

 

وعند الحديث عن موضوع "المسيرات", فإن الأمر يترك في تقدير الوسيلة, من حيث إنكارها, وبيان الحكم الشرعي فيها لكبار أهل العلم, الذين يوازنون بين المصالح, والمفاسد المتوقع حصولها عند استخدام هذه الوسيلة, مع الحرص على تجنيب الناس الفتن, والتفرق, والتنازع, والاختلاف, إضافة إلى ما يعارض مقاصد الشريعة الإسلامية في نظام حكمها, القائم على الاستقرار. وأذكر أنه عندما سُئل- سماحة الشيخ- عبد العزيز بن عبد الله باز- رحمه الله- عن المظاهراتُ الرِّجاليَّة, والنِّسائيَّة ضدَّ الحكَّام, والولاة, وهل تُعتَبر وسيلةً مِنْ وسائل الدَّعوة؟, وهلْ مَنْ يموتُ فيها يُعتَبَر شهيدًا, أو في سبيل الله؟ أجابَ- رحمه الله- : "لا أرى المظاهرات النِّسائيَّةَ, والرِّجاليَّةَ مِنَ العلاج؛ ولكن أنا أرى أنَّها مِنْ أسباب الفِتَن, ومِنْ أسباب الشُّرور، ومِنْ أسباب ظُلْمِ بعض النَّاس، والتَّعدِّي على بعض النَّاس بغير حقٍّ، ولكن الأسباب الشَّرعيَّة: المكاتبةُ, والنَّصيحة, والدَّعوةُ إلى الخير بالطُّرُق الشَّرعيَّة، شَرَحَها أهلُ العلم، وشَرَحَها أصحابُ رسولِ الله- صلَّى الله عليه وسلَّم-, وأتباعُه بإحسانٍ, بالمُكاتَبة, والمشافهةِ مع الأمير, ومع السُّلطان، والاتِّصال به، ومُناصَحته, والمكاتبة له، دونَ التَّشهير على المنابر بأنَّه فعل- كذا-، وصارَ مِنْه- كذا-، والله المستعان".

 

وقد قرأت في كتاب "الشرح الممتع على زاد المستنقع" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين- رحمه الله-, عن قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد" , فما معنى هذه القاعدة , وهل من معناها: أن الغاية تبرر الوسيلة؛ بحيث إذا حل مقصدي, فوسيلتي إليه حلال مهما كانت؟. فكان جوابه- رحمه الله- : "الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله, وصحبه ، أما بعـد: فمعنى أن الوسائل لها أحكام المقاصد, هو: أن المقصد إذا كان سيئا, فإن الوسيلة تكون ممنوعة، والمقاصد إذا كانت حسنة, فلا يجوز أن يتوصل إليها إلا بوسائل مباحة، والذي يوصل إلى الحرام, يكون حرامًا مثله، فبيع العنب مباح في الأصل؛ لكن عندما يعلم أن المشتري إنما يريده؛ ليعصره خمرًا, فإن بيعه له يحرم،- وكذا- الحال في بيع السلاح, فإنه مباح في الأصل؛ ولكن لا يجوز أن يباع لمن يستخدمه في قطع الطريق ، وهكذا.., وقد قال الله- تعالى-: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" . وأما القاعدة التي تقول : إن الغاية تبرر الوسيلة؛ بحيث إن المقصد إذا كان حسنا, فلا مانع من الوصول إليه, ولو بطرق محرمة، فهذا أبعد ما يكون عن الصواب، وهي قاعدة تنافي الإسلام في الصميم , وفي المنهج". وقد سُئل- رحمه الله- عن المظاهرات, والاعتصامات، فبيَّنَ في الأوَّل عدَم مَشروعيَّتها, مِنْ جهة أنَّها خُروجٌ على وليِّ الأمْر, وأنَّ مَنْ مات علَيها ماتَ ميتةً جاهليَّة؛ لأنَّه ماتَ ناقضًا لبيعةِ إمامِه، والرَّسولُ- صلَّى الله عليه وسلَّم- قد قال: "مَنْ رأى مِنْ أميرِه شيئا يَكرَهُه فلْيَصبِر عليه؛ فإنَّه مَنْ فارَق الجماعةَ شِبْرًا فماتَ إلاَّ ماتَ ميتةً جاهليَّة" رواه البخاريّ (7054)، ومسلم (1849). وذَكَر, أنَّ المأمون امتَحنَ العُلماءَ, وعذَّبَهم؛ لِيَقولوا كَلمةَ الكُفر, وهي: "أنَّ القُرآن مخلوق"، ومِنهم- الإمام- أحمد- رحمه الله- ، فلَمْ يَلجأ أحَدٌ مِنْهم إلى التَّأليب عليه, ولا إلى المظاهرات, ولا اعتصَمُوا بالمساجِد، بل كانوا يَنْهَون عنِ الخُروج علَيْه، ثمَّ ختمَ فَتواه, بقولِه، "لا نُؤيِّد المظاهراتِ, أو الاعتصاماتِ, أو ما أشبهَ ذلك، لا نُؤيِّدها- إطلاقًا-، ويُمكِنُ الإصلاح بدونِها؛ لكن لا بدَّ أنَّ هناكَ أصابعَ خفيَّةً, أو خارجيَّة, تُحاوِلُ بثَّ مثل هذه الأمورِ".

 

أليست المسيرات بهذه الصورة, فيها إسقاط لهيبة الدولة, ويصاحبها من المفاسد بحكم طبيعتها, ما الله به عليم, كنشر الفوضى, وذلك- من خلال- عدم السيطرة على المشاركين, وصعوبة ضبط حماسهم, فيكون ضررها أكبر من نفعها. فحداثة هذه الوسيلة, والاتفاق على غربية نشأة المظاهرات,- كونها- من وسائل الديمقراطية التي ابتدعوها؛ حيث تسعى إلى تحقيق معارضة النظام الحاكم مع جملة المقاصد الشرعية, في عدم الخروج عليه, والسمع, والطاعة, سيحرر محل النزاع, والفتوى بعدم مشروعية القيام بالمسيرات, وتحريمها, وهو ما حذّر منه- سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية- من دعوى البعض للتظاهر يوم الجمعة 15 سبتمبر, وأكد على أهمية الدور: " الذي يلعبه الشعب السعودي الواعي, والرافض لما يحاك ضد المملكة؛ للنيل منها, ومن استقرارها, وأمنها", وختم سماحته فتواه, بأن هذه الدعوى, والتي يطلق عليها حراك 15 سبتمبر: "هي دعوى جاهلية, ولن يكتب لها النجاح- بإذن الله- ؛ بفضل الله, ثم بتكاتف هذا الشعب الأبي, فهو مجتمع متكاتف متعاون متراحم, يعي هذه الفتن, والمكائد".

 

في المقابل, وعلى سبيل المثال: لم يكن كشف وزارة الداخلية السعودية, بعد متابعتها الدقيقة, ورصدها لوسائل التواصل الاجتماعي, وما يدور فيها- بالآونة الأخيرة- عن استهداف المملكة من جهات خارجية باتباع تسعة سبل، أبرزها: التأليب على ولاة الأمر، وتزوير حسابات بأسماء سعودية،- كذلك- فبركة المعلومات المسيئة للدولة، وإشاعة أخبار أمنية كاذبة، وبثّ روح العداوة, والبغضاء في المجتمع، كما يسعى المستهدفون؛ لترويج أفكار تكفيرية, وإلحادية، وتسطيح المتلقّي بمعلومات كاذبة،- أيضًا- السخرية من المملكة عند الأعداء،- والأخيرة- هي المدح, والذمّ للمصالح الشخصيّة, سوى رسالة واضحة المعالم لشبابنا, بألا يتحولوا إلى أداة في يد أعداء الوطن، وألا يقبلوا عن اقتناع, أو بفعل غسل أدمغتهم بأفكار, ومزاعم باطلة تتنافى, وتعاليم الإسلام السمحة؛ حتى لا يكونوا خنجرًا في يد قوى تنفذ أجندات خارجية؛ للنيل من استقرار, وأمن المملكة .

 

التوصيف الدقيق كان كافيا للإحاطة بقضايا إجرامية عدة, إذ لا غرابة أن يكون استهداف المملكة من جهات خارجية؛ بسبب أنهم لا يولون أدنى اهتمام, أو تقدير لقيم الوطنية, وسيادة الدول على أراضيها. وهو دليل على أن خبثهم في إشعال نيران الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؛ من أجل زعزعة الأمن , والاستقرار غاية أمانيهم, ومخططاتهم القذرة, وذلك ضمن توزيع أدوارهم الواضحة, والمبرمجة, والتي تعكس التوجهات الهدامة لهذه الجهات المشبوهة, وحقدها الدفين .

 

ليس سرًا أن الذين اتخذوا من تلك الحسابات المشبوهة في مواقع التواصل الاجتماعي منابر لهم ؛ لبث سمومهم في فكر , وعقول الشباب كجزء من مخطط تقف وراءه جهات خارجية , إنما تحاول النيل من عقيدة المملكة , وشبابها ، - واليوم - لم يعد مجال للتستر على الحقائق؛ فالمرحلة المقبلة تتسم بالوضوح, والإقدام, والجرأة في كشف تلك الألاعيب, وعدم الاقتصار على تسمية الأشياء بأسمائها, بل العمل على بيانها, والأخذ في الاعتبار بأن المجابهة ستكون حربا طويلة. كما أن استهدافهم المتعمد لن تثني الدولة في حربها على الإرهاب, أو رضوخها لابتزاز المجموعات الإرهابية, وفسادها، إذ لا مجال للتفريط في إعمال سيادة القانون, وتحقيق أمن المواطن معًا, دون تخل تحت أي ضغط عن أحدهما.

 

سعد بن عبد القادر القويعي

باحث في السياسة الشرعية

[email protected]

السبت - 19 جمادى الآخر 1438 - 18 مارس 2017 - 05:51 مساءً
9
1167

لن أتحدث عن التجهيزات البيئية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة؛ ولكن يكفيني أن أشير- هذه المرة- إلى ما يواجهه طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة من بعض المعوقات التي تحول دون ممارستهم أنشطتهم الحياتية- بشكل عام-, كحق التعليم, وتوقف وسيلة المواصلات الخاصة بهم في أكثر من عشرين برنامجا في مدينة الرياض- بلا سابق إنذار- . وأخص بالذكر- على سبيل المثال لا الحصر- معهدي التربية الفكرية, ومعهد الصمّ؛ ولأن توافر الفرص, والإمكانات, هو ما يعين المعاق على الاندماج في المجتمع, والتميز في سوق العمل, فإن مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة, وتسهيل ذهابهم, وإيابهم إلى معاهدهم, ومدارسهم, سيكون عونا على غرس مفاهيم التعليم الحديثة لهذه الفئة, وتقديم العون, والمساعدة لهم في تجاوز الصعاب, وتسهيل المهمات , وتقليل المخاطر.

تمثل فئة ذوي الاحتياجات الخاصة شـريحة مهمـة مـن الجماهير لهـا خصائـصها, وسماتها المـستقلة, والـتي قد تـؤثر في احتياجاتهم, كحاجتهم للتواصل مع الآخرين, وإلى التقبل, والنمو, والارتقاء, والرعاية, والاهتمام, والاندماج داخل الأسرة, والمدرسة, والمجتمع. فالحاجة- إذن- بالنسبة لهم ليست مادية- فحسب-, بل هي مشاعر تقدير لهم, يتبادلون من خلالها مشاعر الحنان, والمحبة, والإحساس بالأمن من أفراد المجتمع, ومن المحيطين بهم.

ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمعنا بحاجة إلى تعليم متكافئ لمن هم في سن التعليم, وتدريبهم على ما يناسب قدراتهم, وإمكانياتهم, ووضع الإعاقة التي يعانون منها؛ من أجل تحقيق احتياجاتهم. ومثل هذه الخدمات هي حاصلة بحمد الله, إلا أن التأكيد عليها يتطلب توفير مساندة كاملة من المجتمع المحلي , ومن جميع المصادر المختلفة. وهذا ما يجعلني أؤكد وجوب تكييف البيئة الطبيعية؛ لتلبي احتياجات هذه الفئة, ومتطلباتها؛ حتى يكون هناك تفاعل مستمر بين الطرفين.

بين كل هذه الأمور الكبيرة تقبع التفاصيل اليومية للحياة, وتعديل مجرياتها بالنسبة لهذه الفئة , وذلك حسب نوع الإعاقة , وشدتها , وعوامل أخرى , ومحاولة التغلب عليها. إذ من وظائف المجتمع أن يضمن تعايش كل فئات المجتمع فيه على أساس التكافؤ؛ من أجل تحقيق النجاح في تربيتهم, وتأهيلهم, وتعليمهم- وبالتالي- التقليل, والحد من آثار الإعاقة السلبية من خلال طريق التكيف الذي لا يتأتى من قبلهم , وإنما ممن يحيطون بهم.

كما تتكامل المسؤوليات بين الأسرة, والمدرسة, والمجتمع, والتي تهتم بشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة. وغني عن القول، إن حقوق هذه الفئة من المسلمات التي لا تقبل الجدال، ووسائل الانتقال من أهم ما يشغل حياتهم الخاصة؛ لقضاء حوائجهم, وإنجاز أنشطتهم بسلام, وهدوء. وبعيدا عن قصور وسائل المواصلات المجهزة لتلبية حاجات فئة ذوي الاحتياجات الخاصة, فإن على مسؤولي وزارة التعليم ضرورة إرجاع هذه الخدمة؛ تحقيقا للقدر المناسب من توفير الحياة الكريمة لهم, والمساهمة في تحقيق النمو الطبيعي لقدراتهم, بدون إحباط يؤثر على حالتهم النفسية, أو حالة أسرهم ؛ وحتى لا يكون إيقاف خدمة المواصلات في حقهم سببا في تقوقعهم , وعدم اندماجهم في المجتمع. 

إن إزالة جميع هذه العوائق التي تعترض فئة ذوي الاحتياجات الخاصة في معيشتهم , وفي إنجاز مستلزمات الحياة اليومية على مدى فترة طويلة من الزمن , أو بشكل دائم , هي حقوق مشروعة,- سواء- كانت تلك العوائق هندسية, أو مادية, أو نفسية, أو اجتماعية, أو غيرها, باعتبار أن : "رابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة, والسرور . والحبّ الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهِرًا, وجميلاً, وخالدًا" , كما يقول جبران خليل جبران.

 

الاثنين - 25 ربيع الآخر 1438 - 23 يناير 2017 - 12:41 مساءً
1
1653

أيًّا كانت مساحة الاختلاف والخلاف حول تفاصيل التعليق على أحكام القضاء الابتدائية، أو حتى النهائية، فإن من المؤسف جدًّا أن يصف أحد المحامين قرارًا لمحكمة الاستئناف في تغريدة عبر حسابه في "تويتر"، بأنه "يوم أسود"، وبأنه "شرعنة للتكفير"؛ فتوجيه الإهانات العلنية، قولًا أو كتابةً، إلى هذه الأحكام القضائية، وإلى القضاة الأفاضل، والأجهزة القضائية بكاملها؛ يعتبر أمرًا مجرّما في كل الأعراف الدولية، بل إن كثيرًا من دول العالم تعتبر التعليق السلبي على أحكام القضاء، بغرض الانتقاص من استقلاله وهيبته وموضوعيته؛ جريمة يعاقب عليها القانون.

إن نزاهة الأحكام القضائية تخضع للمراجعة والتمييز؛ من أجل الوصول إلى إرساء الأحكام العادلة التي يطمئن أفراد المجتمع كافةً إليها، ولخلق استقرار اجتماعي بإنهاء النزاعات برضا الأطراف المتنازعة كافةً. ومن ثم فإن هذا المفهوم  أي : نزاهة القضاء  ينشأ من مبدأ استقلال القضاء الذي يعد وليدًا لمبدأ تعدد السلطات. والحكمة من إنشائه هو تحقيق قضاء عادل، ونزيه، وحيادي، لا يشكك أحدٌ من العامة في نزاهته، ولكي يقتنع بكل ما يصدر عن هذا القضاء من أحكام. وهذا المسلك يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في إرساء قواعد العدل بين الناس، وإحقاق الحق، وإعطاء كل ذي حق حقه، خصوصًا في هذا الزمان الذي تغيرت أحواله، وكثر فيه الخلاف، واتُّبع فيه الهوى.

بغض النظر عما ورد من حيثيات في الحكم الصادر الذي لا يجوز لأحد  أيًّا كان  أن يتدخل فيه؛ تعليقًا أو انتقادًا، إلا بطريق قانوني مشروع عبر مسالك القضاء وآلياته القانونية؛ فإن التشكيك في عدالة السعودية ونظامها القضائي، أو التقليل منهما؛ يعدّان جريمة موجبة للعقوبة. ولأن أنظمة المملكة تسير على هذا المنوال، فإن التعليق على أحكام القضاء الابتدائية، أو حتى النهائية، لا يجوز إذا كان من شأنه التأثير في سير العدالة، والمساس باستقلال القضاء؛ لما يترتب عليه من أضرار ومخاطر في إسقاط هيبة القضاء في النفوس، والتحريض على عدم الامتثال لأحكامه؛ ما يؤدي الناس إلى الفوضى واختلال الأمن.

تنفيذًا للأوامر السامية التي توجب على كل جهة حكومية متابعة ما ينشر في وسائل الإعلام، ومنها الأمر السامي الكريم رقم 42283 في 27/9/1432هـ ، الذي جاء بقاعدة نظامية تلزم كل جهة حكومية بمحاكمة من يكتب أو يتحدث بأمر يتعدى حدود النقد البنّاء إلى التجريح والتشهير، بقصد الإثارة الإعلامية، وبعيدًا عن الموضوعية؛ فإن رصد أي تعدٍّ قد يؤثر في سمعة قضاء السعودية، أو يشكّك في استقلاله وحياده، ويوجه الاتهامات بأسلوب عشوائي وغير قانوني  خصوصًا إذا كان من شأن التعليق التأثير في سير العدالة، والمساس باستقلال القضاء  يقتضي محاكمة أي شخص يتطاول على القضاء الشرعي، أو يطعن فيه.

[email protected]  

 

الجمعة - 24 ربيع الأول 1438 - 23 ديسمبر 2016 - 11:31 مساءً
4
1497

الجناية تزداد إثمًا إذا كان المستهدف سفيرًا يمثل دولته في بلاد المسلمين، إذ أن أمان الرسل هو من أقوى أنواع الأمان في الإسلام. والتأصيل الفقهي لضمانات الحصانة الديبلوماسية مؤسس على قواعد شرعية, وأحكام فقهية، مستمدة من الكتاب, والسنّة, وإجماع سلف الأمة. وهي قواعد ثابتة محكمة لكل زمان, ومكان، ترتكز على حرمة الدماء في الإسلام، ونصوص النهي عن قتل الرسل, وعصمة دم المستأمن, ووجوب الوفاء بعهد الأمان, وعدم الغدر، وهي قواعد مقررة محكمة في التشريع الإسلامي, بهذه العبارات علقت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في السعودية على خطورة الاعتداء على حصانة الممثلين الديبلوماسيين، وما قد ينتج عن ذلك من آثار سيئة، - إضافة - إلى تعارضه مع ما أمرت به الشريعة الإسلامية من صيانة حقوقهم, وتأمين سلامتهم، وذلك من تطبيق شرع الله, كما أن الالتزام بحقوق الديبلوماسيين يحقق المصلحة الوطنية العليا, ويعزز العلاقات الدولية, واعتبار ذلك من مقاصد الدين الإسلامي الحنيف.

أمان حياة السفراء جرى عليه العرف عند الناس, وقبل ذلك عند الأنبياء, وأن الإسلام يؤكده, بل إن حق الأمان الذي كان يتمتع به الرسل, والسفراء في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- , والذي نسميه- اليوم- بمفهوم الحصانة, تمتع به حتى رسل مسيلمة الكذاب, فقال لهم، "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"؛ لأن الأمان هو عهد شرعي, وعقد يوجب لمن ثبت له الحفاظ على نفسه, وماله, وعرضه، شأنه في ذلك شأن أهل البلد, ومواطنيها, لا يجوز قتلُه، ولا أَسْرُه، ولا أَخْذُ شيء من ماله، ولا التعرُّضُ له، ولا أذيتُه. وقد جاء في عون المعبود في شرح حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم .." , يسعى بذمتهم, أي: بأمانهم, أدناهم, أي: عددا , وهو الواحد ، أو منزلة . قال في شرح السنة: أي أن واحدا من المسلمين, إذا أمّن كافرا حرم على عامة المسلمين دمه, وإن كان هذا المجير أدناهم، مثل أن يكون عبدا، أو امرأة, أو عسيفا تابعا، أو نحو ذلك, فلا يخفر ذمته، ويجير عليهم أقصاهم, قال الخطابي: معناه, أن بعض المسلمين, وإن كان قاصي الدار, إذا عقد للكافر عقدا لم يكن لأحد منهم أن ينقضه, وإن كان أقرب دارا من المعقود له.

لا يدخل السفراء بلاد العالم إلا بموجب اتفاقية بين تلك الدول بموجب معاهدات دولية, ووجودهم في البلاد الإسلامية تابع لإعطائهم تأشيرة دخول إليها، وهذه التأشيرة صورة من صور عقد الأمان، وهي في الإسلام ميثاق, وعقد, وذمة, وهؤلاء أخصّ من تنطبق عليه صفة المعاهد,- وبالتالي- فإن الاعتداء على السفير, أو على أشخاص في السفارة ممن بينهم, وبين المسلمين عهد, أو أمان, أو ذمة, فإنه لا يجوز،- وعليه- فقد جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمروـ رضي الله عنهما قال، من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا", رواه البخاري. كما لا يجوز ظلمهم فضلا عن قتلهم، وليس لأحد أن ينبذ إليهم عهدهم إلا الدولة، وحتى في هذه الحالة لا يجوز قتلهم, ولا حبسهم، ويطلب منهم مغادرة البلاد، وتحدد لهم مهلة.

هناك تواصل إنساني يتفاوت قوةً, وضعفاً - منذ نشأة الخليقة- , - ولذا- فإن التأسيس لبعد ثقافي في العلاقات الإنسانية المعاصرة, يستدعي التأصيل للعلاقات الدولية. وتأمل على سبيل المثال, كيف أن الإسلام جاء ليؤسس منظومة العلاقات الإنسانية على أسس أخلاقية , والالتزام بالمعايير الأخلاقية الثابتة, واعتبارها الوسيلة الأساس الذي تعددت فيه طرائق التواصل السياسية, والاجتماعية, والثقافية, والاقتصادية؛ للتعاون بين الدول, والمنظمات الدولية, وهو ما يؤكده- الدكتور- سعيد عبدالله حارب, بأن نظام الحصانة الديبلوماسية في الإسلام هو نظام مختلف، يلتقي مع الأمان من حيث المشروعية؛ لكنه يختلف عنه في جوانب أخرى، فالأمان عقد نظام عام, أي: أنه عقد يعطى لجميع الراغبين في دخول الأراضي الإسلامية من رعايا الدول التي تكون في حالة حرب مع المسلمين، بينما الحصانة الديبلوماسية  تُعطى لأفراد محدودين ممن يقومون بمهمات, وأدوار سياسية، ويتمتعون بمزايا هذه الحصانة في وقت الحرب, و السلم، كما أن الحصانة تعطى للمبعوثين السياسيين الذين يتعارف عليهم في العصر الحديث بالدبلوماسيين الذين يمارسون العمل الدبلوماسي, أو السياسي , كرؤساء الدول, والوزراء , والسفراء , وأعضاء البعثات الدبلوماسية، وغيرهم ممن تنطبق عليهم هذه الصفة. والحصانة الدبلوماسية لها مميزات, من بينها: حماية المبعوث في شخصه, وماله, والامتناع عن مسائلته قضائيا، وغيرها من الامتيازات التي لا تتوافر في عقد نظام الأمان،- لذا - يمكننا القول : إن نظام الحصانة الدبلوماسية , هو نظام مستقل بذاته .

مسألة حقوق الإنسان واحدة من المسائل ذات العلاقة الوطيدة بقضية العدالة، والعدل يقتضي رعاية جميع الأبعاد المتصلة بحقوق الإنسان . - وعلى هذا الأساس- فقد أجمع العالم على ما سبق من خلال إقراره للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948م, ثم التزمت جميع الدول بأحكام, ومقررات اتفاقية " فيينا " للعلاقات الدبلوماسية لعام ١٩٦١م، والتي تفرض التزامات واضحة, بضرورة توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية الأجنبية, وجميع أعضائها، وهي التزامات تزداد أهمية احترامها في الوقت الحالي,- خصوصا- وأن المعاهدات, والمواثيق الدولية تعدّ أحد مصادر القانون الدولي, وهو ما يتوافق مع عدم مؤاخذة أحد بجريمة غيره, إذ ليس هذا من العدل الذي أمرت به الشريعة, وتواترت به نصوص الوحي.

[email protected]

الأحد - 03 ذو الحجة 1437 - 04 سبتمبر 2016 - 09:08 مساءً
0
2322

إذا كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد بُعث بالحنيفية السمحة , فإن أصل الدين قائم على التيسير, وعدم المشقة, وهو مقصد عظيم من مقاصد الشرع؛ لأنه مراد الله لعباده, لا يُمنع منه أحد: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" . ولا يكون التيسير في الحج إلا بالنظر الصحيح للأدلة الشرعية .

 

الأخذ بمنهج التيسير الذي يحقق مقاصد الشريعة في الحج , ولا يخالف النصوص , والأدلة الشرعية , تجده على سبيل المثال في صور كثيرة , منها : الإذن للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى قبل الناس , - وبالتالي - جواز رميهم في الليل . وجواز تقديم بعض أعمال يوم العيد على بعض, انطلاقا من العبارة المشهورة: "افعل ولا حرج". وجواز تأخير رمي يوم الحادي عشر إلى يوم الثاني عشر لأهل الأعذار, مع أن رمي الجمار وقته موسع. وإجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع في حال تأخيره, وأيضا سقوط طواف الوداع في حق الحائض , والنفساء. - إضافة - إلى تخيير الحاج بين التعجل, والتأخر .

 

بل إن من أعظم مظاهر التيسير في الحج , أن الله- جلّ وعلا- حين فرض الحج, جعله مشروطا بالاستطاعة, لقول الله - تعالى - : "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " , ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ".. وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا " . ومثل ذلك أيضا , تخيير الحاج ابتداءً بين ثلاثة أنساك . وفي المقابل , فإن محظورات الإحرام مبنية على التخيير , للآية : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" .

 

إن على أهل العلم واجبَ بحث كثير من مسائل الحج المستجدة , ونوازله الفقهية, وتأصيلها وفق الأدلة الشرعية, بما يتوافق مع أصول الشرع الكلية, ومقاصده العامة, بسبب ما نلحظه من كثرة الحجيج, وما نتج عن هذه الكثرة من ازدحام شديد, ومشقة عظيمة, بشرط ألا تخل تلك الاجتهادات بأداء شعيرة الحج. فالمشقة ليست مقصودة في هذه الشعيرة, - ولذا - فإن مراعاة المشقة التي تلحق الأذى بالمسلمين من أسباب الترجيح, وهو ما رأيناه من تغير اجتهاد بعض علماء الأمة , بسبب اختلاف الأزمنة , وتغير الأعراف؛ عملا بفقه التيسير, والتخفيف على الناس من الضيق, والحرج. فالتيسير بضوابطه الشرعية , هو صناعة الفقيه , والمجتهد . انطلاقا من قاعدة : "المشقة تجلب التيسير " .

 

                                                                                               سعد بن عبد القادر القويعي

                                                                                                [email protected]   

 

 

 

  

الأحد - 18 ذو القعدة 1437 - 21 أغسطس 2016 - 10:01 مساءً
3
2202

تشير الإحصائيات إلى أن عدد أرقام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي, يتضاعف بشكل كبير, وبسرعة تشبه انطلاق الصاروخ. وأن النسبة الكبرى من مستخدمي تلك المواقع , والتي قد تصل إلى أكثر من "70%", هم من فئة الشباب, ممن لديهم قدرة على التواصل المستمر على شبكة الإنترنت, فيتشكل وعيهم- حينئذ- عن طريق العالم - الافتراضي الوهمي - , تحولت معها إلى تغيرات جذرية في الفكر, مما شكّل تحديات - إيجابية وسلبية - , يواجهها المجتمع .

 

خذ على سبيل المثال , ما أشار إليه - الباحث الأمريكي - " لاري روزين " , إلى أن : " المراهقين الذين يستخدمون موقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك " في أحيانٍ كثيرة ، يظهرون - وبدرجة أكبر – ميلًا  نحو النرجسية، فيما يُظهر البالغون الذين لديهم حضور قوي في تلك المواقع علامات أكثر - ذات صلة - باضطرابات نفسية أخرى , مثل : السلوكيات المعادية للمجتمع , والهوس , والجنوح نحو العدائية " . كما أشار المختص, إلى أن " الإفراط في استخدام وسائل الإعلام, والتقنية, له تأثير سلبي على صحة جميع الأطفال, والمراهقين, والأفراد في مرحلة ما قبل المراهقة، بجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالتوتر, والاكتئاب, والاضطرابات النفسية الأخرى، - فضلًا - عن أنهم يصبحون أكثر عرضة؛ للمعاناة من مشكلات في المستقبل".

 

ولأننا نعيش تطورا هائلا في وسائل الإعلام الجديد, ورغم أهمية مواقع التواصل الاجتماعي, فإن الآراء تتعارض بين من يراها: نعمة فريدة, وبين من : يحذر من مخاطرها الجمة, التي لا حصر لها. وفي هذا الباب, يذكر "فريزر ودوتا", أن: "الشبكات الاجتماعية على الإنترنت, أصبحت ظاهرة عالمية واسعة الانتشار, بصورة لا تصدق؛ فالمواقع التي من قبيل ماي سبيس " MySpace " , وفيس بوك " Facebook " , وهاي فايف " hi5 " , وأوركوت " Orkut " , وفريندستر " Friendster " , يعد أعضاؤها- الآن- بمئات الملايين في جميع أنحاء العالم، كما أن ثورة الجيل الثاني من الإنترنت, وصلت- الآن- إلى مرحلة الانقلاب الاجتماعي، ويتم اعتناقها بحماسة من قبل الشباب في الشرق الأوسط" , وهو ما يدل على الأثر المتنامي؛ للاستخدامات السلبية لهذه الوسائل فيما بينهم, وارتباطهم بمجموعات افتراضية, ذات تأثير بالغ على أفكارهم, وسلوكياتهم.

 

توحيد الهم الإنساني ، والتعاطف مع القضايا السياسية , والاجتماعية - على تعددها - , وزيادة الرصيد المعرفي, والثقافي، وتكوين نمط جديد سهل, وعصري؛ لتصفح الانترنت، من أبرز مزايا تلك التقنيات الهائلة. وفي المقابل , فإننا لا نستطيع أن نغفل الكم الكبير من الآثار السلبية لمستخدمي تلك المواقع, -  سواء - على المستوى النفسي, والفيزيولوجي, والاجتماعي, والتربوي, - خصوصا - بعد أن اجتاحت تلك المواقع حياة كل بيت - دون استثناء - . ولعل من أهم تلك الآثار: انعدام الخصوصية, وما ترتب عليه من أضرار نفسية, ومعنوية, ومادية. والزج بهم نحو العزلة الاجتماعية, - سواء - عن واقعهم الأسري, أو عن محيطهم الذي يعيشون فيه. إضافة إلى هدر الوقت دون فائدة تُجنى , بل إن النتائج السلبية على سلوك, وأخلاقيات كثير من الشباب لا يجادل فيها عاقل, كإقامة صداقات من الجنسين, وقد تتطور هذه الصداقة إلى علاقة مشبوهة, تتخطى- من خلالها- الحدود الشرعية, والضوابط الاجتماعية.

 

وقد كشفت دراسة , أجراها - المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية - , أن : حالة من كل خمس حالات طلاق, تعود لاكتشاف شريك الحياة, وجود علاقة مع طرف آخر عبر الإنترنت, - من خلال موقع - الـ " فيس بوك " , - فضلًا - على أن هذا الموقع سهل للعديد من الأشخاص خيانة الآخر, بحيث يمكن للزوج, أو الزوجة, اللذين يشعران بالملل, العثور بسهولة على حبهما الأول, وعلاقتهما القديمة, وهو ما ينذر بحدوث أخطار, تهدد الحياة الزوجية للأسرة المسلمة, وأذكر جيدا أن الدراسة, قد أوصت: بعدم الدخول على هذا الموقع .

 

ولأن النضج العاطفي , والانفعالي في هذه المرحلة العمرية غير مكتمل , إضافة إلى تضخم مفهوم "الذات الوهمي" , فإن تعزيز روح الانتماء بين أفراد الأسرة, وتعزيز المبادئ, والقيم التربوية- مطلبان مهمان- , ولا يكون ذلك إلا عن طريق تشجيع قنوات التواصل العاطفي, والنفسي بين أفراد الأسرة الواحدة. وتعريفهم الصواب من الخطأ، وإسداء النصائح لهم . والانتباه جيدا من تأثير المحيط اليومي لهم. وملء أوقات فراغهم بما يفيد عبر البرامج, والمناشط الإيجابية, - لاسيما - وأن أوقات الفراغ في الوقت الحاضر أصبحت طويلة. وتبقى الدعوة إلى ترشيد استعمال مواقع التواصل الاجتماعي, من أهم الخطوات التي يجب أن تتخذ , حتى لا تمثل خطرا على الأمن النفسي في المدى البعيد.

 

بقي أن أقول: إن تعاون مختلف المؤسسات الاجتماعية , والمحاضن التربوية في إيجاد البديل المناسب, وتقديم مساحة واسعة في وسائل الإعلام؛ لتفعيل دور هذه التقنيات في الهمّ الدعوي على سبيل المثال , جزء من العلاج. فالتقنية جُعلت؛ لخدمة الإنسان في رقيه, وتطوره, وعلو شأنه, بشرط أن يُحسن استخدامها.

 

                                                                                               سعد بن عبد القادر القويعي      

                                                                                               [email protected]  

الأربعاء - 15 شوّال 1437 - 20 يوليو 2016 - 10:24 مساءً
0
4032

لا أزال أتذكر تصريحًا قديمًا لمعالي رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الدكتور محمد الشريف، قال فيه: "إن الهيئة ستطالب جميع المسؤولين في الدولة، بإقرار ذمّة مالية ممن يملكون صلاحية إصدار قرارات، تُؤثر على المال العامّ من وزراء، ومديرين، ورؤساء"، وفي تقديري، إن تصريحًا كهذا، كان سيستهدف -بلا شك- مكافحة استغلال النفوذ، والفساد بشقيه -الإداري والمالي- عن طريق تغطية كل المناصب العليا في الدولة، التي قد تُستغل من قبل شاغليها في عمليات كسب غير مشروع. وهي بهذا العمل الجليل، تكون قد حققت إنجازًا مهمًّا، يُجير لصالح الوطن، والمواطن.

المال العامّ أحد أركان دعائم العملية التنموية، والتطوير الحضاري للدول. وما أبانه فقهاء السياسة الشرعية في كتبهم، غايته حماية الأموال العامة بموجب الشرع الحنيف، فحفظ المال العام أحد الكليات الخمس؛ لإقامة مصالح الدين والدنيا. والمجتمعات لن تكون واعية لحقوقها، ومدركة لمسؤولياتها إلا بمحاسبة المسؤولين، والأخذ على أيديهم، وهي وظيفة الهيئة؛ لأنها مسؤولة عن حماية المال العام من الاعتداء عليه، لكونه من الولايات العامة وفق أحكام، ومبادئ الشريعة الإسلامية.

إن الحاجة إلى تفعيل مبدأ "من أين لك هذا" بات مطلبًا شرعيًّا؛ لضمان نزاهة، أداء كل مسؤول لعمله؛ وحتى يكون هناك شفافية في محاسبة هؤلاء أمام شعوبهم. فالموضوع يتعلق بخلق شعب، وسلوك أمة. كما أن مبدأ "من أين لك هذا"، هو مبدأ العدالة الإلهية، والذي يجرّنا إلى ضرورة الحديث عن الكشف عن الذمة المالية للزوجة، والأبناء من أموال منقولة، وغير منقولة قبل، وبعد تولي مناصبهم الرسمية. ومثل هذه الإجراءات التي ستتخذها "الهيئة"، هي بمثابة تدابير ضمن حدود إمكاناتها؛ لتشجع الجميع على المشاركة في منع الفساد، ومحاربته، وتعزيز الشفافية في عمليات اتخاذ القرار، وتشجيع إسهام الناس فيها.

هيئة مكافحة الفساد، مسؤولة -اليوم- أمام خادم الحرمين الشريفين، وأمام المجتمع، في اجتثاث الفساد من جذوره، والتأكد من أن ثروات البلد في أيد أمينة. وهي مسؤولة -أيضًا- عن تكريس مبدأ النزاهة، والشفافية في أداء الجهات العامة؛ من أجل تحسين، وتطوير الكيان الاقتصادي الإداري في الدولة. كما أن التوعية بأهمية حماية المال العامّ، وما تعنيه من ضمان تمتع جميع المواطنين بحقوقهم ؛ لتصبح ثقافة مجتمعية عامة، سيسهم في خلق جيل يؤمن بقيم العمل؛ للوصول إلى النجاح.  

[email protected]

الاثنين - 29 رمضان 1437 - 04 يوليو 2016 - 10:37 صباحا ً
9
29121

لم تمنع الشريعة الإسلامية الاستفادة من العلوم الحديثة, كالحساب الفلكي بمستجداته، وتقنيات الرصد المتقدمة، ونحوها في مصالح الناس, ومعاملاتهم, فالإسلام لا يتعارض- أبدا- مع العلم, وحقائقه؛ ولأن الثابت أن لهذا الكون قوانين, وسننًا تحكمه, هي من صنع العلي القدير, الذي خلْقه في غاية الإبداع, والانتظام, والإتقان - ولذلك- فإنه يلزم لقبول الشهادة برؤية الهلال: ألا تكون الرؤية مستحيلة حسب حقائق العلم المسلمة القطعية, وحسب ما يصدر من المؤسسات الفلكية المعتمدة، وذلك في حالة عدم حدوث الاقتران، أو في حالة غروب القمر قبل غياب الشمس.

وبناء على ما تقدم, فإنه يجب عدم إغفال الحسابات الفلكية, التي تنص على أن الهلال لا وجود له بُعَيْد مغيب شمس يوم الإثنين: 29/ 9/ 1437هـ, الموافق: 4/ 7/ 2016 م؛ لغياب قرص القمر قبل مغيب الشمس، - وعليه - سيكون الثلاثاء هو المتمم حسابيًا لشهر رمضان؛ فيما سيكون الأربعاء هو أول أيام عيد الفطر المبارك،- وبالتالي- فإن رؤية الهلال في ذلك اليوم غير ممكنة, أو متاحة,- وخصوصًا- في الجزيرة العربية؛ لعدم وجود الهلال في الأفق الغربي بعد غروب الشمس. وهذا هو المتوافق مع بيان مؤتمر الأهلة المنعقد في جدة من علماء, وفلكيين من عدد من دول العالم الإسلامي, والذي افتتح بحضور - سماحة الشيخ - عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - , بأنه يجب الاعتماد على أقوال الفلكيين في النفي دون الإثبات . وقد أفتى به - الشيخ - محمد ابن عثيمين رحمه الله -؛ لأن الإثبات يختلف حسب المكان, والزمان . ومعنى قبول قولهم في النفي, أنهم إذا قرروا أن القمر يغرب قبل الشمس, فلا يصح - أبدًا- قبول أي دعوى من الشهود أنهم رأوه؛ لأنها تعتبر رؤية للمعدوم, وهذا مستحيل.

ثم إن نتائج الحساب الفلكي قطعية, تبلغ درجة اليقين, وتؤدي إلى المقصد الشرعي بطريقة أكمل, وإلى درجة عالية من الدقة, والضبط للرؤية. أما الرؤية فهي ظنية, باعتبار أن الشهود ليسوا معصومين من الخطأ. وما دامت أن العلة المذكورة في قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : "إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين", فإن الحكم يجري مع علته وجودا, وعدما, فإذا انتفت صفة الأمية عن الأمة, وجب الرجوع إلى الحساب الفلكي بزوال علة منعه.

إن الجدل في هذا الباب ما يزال قائمًا، والحاجة ملحة إلى دراسة معمقة, يراعى فيها ما جاءت به الشريعة, مع الاستفادة مما يسره الله من تقدم كبير في علم الفلك , وحساباته , ومراصده؛ حتى تتمحص فيها وجهات النظر المختلفة؛ للوصول إلى حلول ناجعة. كما أن تناول النوازل , والقضايا المستجدة في حياة المسلمين, تناولا يتجلى فيه الاجتهاد الجماعي, الذي تمس الحاجة, وتدعو إليه الظروف المعاصرة؛ مما يضمن الفهم الصحيح لها, ومن ثم التطبيق السليم, هو الأصل, وما يثبت من حقائق علمية في الفلك, والحساب مرتبط بهذا الأصل, وليس معارضًا له.

 

                                                                                               سعد بن عبد القادر القويعي     

                                                                                               [email protected]   

الثلاثاء - 23 رمضان 1437 - 28 يونيو 2016 - 10:56 صباحا ً
3
14037

مشروع إفطار الصائمين عمل عظيم في هذا الشهر الفضيل، يبتغي المسلم أجره من رب العالمين؛ امتثالًا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من فطر صائمًا كان له من الأجر مثله". إلا أن الملاحظ أن هذه الظاهرة، قد يظهر فيها بعض البذخ والإسراف في كثير من المساجد التي تجلب أطعمة تتجاوز حاجة الناس، وبعضها -مع الأسف- تُرمى في النفايات؛ فلا يستفاد منها مرة أخرى، وهو أمر لا يجيزه أهل العقول الوافية، ولا يبني مكرمة عند ذوي الهمم العالية.

الإسراف والتبذير أمران لا يتوافقان مع الشريعة الإسلامية. وعند إسقاط ما تقدم، فإن الظاهرة أصبحت أمرًا مؤرقًا لمن ينظر إلى الواقع بفقه تام، باعتبار أن هذا النوع من النفقة لم يضمن الله للمنفق خلفها ورفدها؛ حيث صرفها عن المصلحة وصدها، ويكفي أن فيه هدرًا لكثير من الأموال التي كان يمكن استخدامها في تقديم خدمات أخرى، يستفيد بها المواطن؛ لأنه في حالة ثبات فرضية وجود فائض من تلك الأطعمة والأشربة، فإنه يجب توجيه الناس إلى أبواب أخرى من الخير، كتأمين كسوة العيد للمحتاجين، وسداد ديونهم، ولوازم مدارسهم، وكفالة أيتامهم، وغير ذلك من ألوان البر.

إن الدعوة إلى التفكير في قنوات أخرى، كتقنين تلك المشاريع؛ حفظًا للجهود، ولضمان وصولها إلى مستحقيها، وتأكيد تنظيم توزيع السلال الغذائية، ووجبات إفطار الصائمين دون احتوائها على مأكولات، ومشروبات بكميات كبيرة، التي لا يلبي بعضها أو أغلبها حاجة الصائمين، مطالب مشروعة ولا شك. وفي هذا تحقيق لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه"؛ فيكتفي -حينئذ- بالماء واللبن والتمر.

بقي أن يقال: إنه يجب الالتفات إلى إيجاد حلول؛ لتلافي هذه المبالغات في الخيم الرمضانية، كضرورة التنسيق مع الجمعيات الخيرية؛ للاستفادة من تلك البرامج على المحتاجين. ثم ما المانع من إيصال تلك المشاريع إلى منازل الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل والمطلقات والأربطة الخيرية؟! فهناك أسر وأفراد لا يجدون من يعيلهم، ولا يجدون من يطعمهم.

 [email protected]  

 

الأربعاء - 17 رمضان 1437 - 22 يونيو 2016 - 07:22 مساءً
4
4209

ها نحن نترقب خروج شهر رمضان الفضيل، متمنين تمامه؛ لإتمام صيامه وقيامه، متقلبين في أيامه بين عبادات وطاعات. وإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدومه، بذكر خصائصه، وتضاعيف الأجور، فيقول: "أتاكم رمضان؛ شهر مبارك، فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم"، فإن المسلسلات الفنية، والأعمال الدرامية، تتراكم في شهر رمضان –بالذات- وليس في شعبان، أو شوال، وهي قضية يحتدم النقاش حولها كل عام.

عرض تلك الأعمال في ليالي رمضان؛ لأنه "كريم" كما يصفونه، ويطلق عليها مسلسلات رمضانية؛ لشغل الناس عن الخير؛ فترى كما هائلا من الأعمال الدرامية يعرض من قبل وقت الإفطار، وحتى وقت السحر، بما ترصد له من أموال، وتصرف فيه من جهود، لا توافق غالبا ما يرضي الله، وغير ملتزمة بالمعايير الموضوعية -كأن تكون ناقدة، وذات رسالة ؛ لعلاج أخطاء قد تقع في المجتمع- ولا أكون مبالغا إن قلت: إن تلك الأعمال تعرض على مدار الساعة، في كثير من القنوات الأرضية، والفضائية، التي أصبحت كالنار تحت الرماد . خصوصًا، أن بعض تلك المسلسلات، تضمن مساحة واسعة من التجاوزات، وما أحدثته من مشكلات فكرية، وبث سموم عقدية، والداعية إلى الفوضى، والانحراف .

وبدلًا، من أن نرتوي من نمير هذا الشهر الكريم، ونرتشف من رحيقه، ونشم عاطر شذاه، ونستقبل هذا الضيف الكريم بنية خالصة، وتوبة صادقة . تفتح في النفس لوعة الاشتياق إليه، إذ هو من أجمل المناسبات التي أكرمنا الله بها، نجد أن القنوات الفضائية، نجحت في استقطاب الناس لمشاهدة مسلسلاتها، وأفلامها، من خلال انتشار الخيام الرمضانية، في بعض الفنادق الكبيرة، والأندية الفخمة، في بعض الدول العربية . وهي ظاهرة بدأت -منذ سنوات عديدة- مع رجال الفرق الصوفية، بتقديم وصلات أناشيد، وابتهالات رمضانية، ثم تطورت الفكرة، وأصبحت تقام على شكل ليال فنية، واستعراضات راقصة -بجميع أنواعها- لتكون غطاء على أعمالهم المريبة، وتستمر حتى ساعات الفجر الأولى، وربما ينتهي مع إيقاع أذان الفجر، وهو ما يتنافى مع مبادئ الدين، وقدسية الشهر العظيم، والخروج عن قيم المجتمع، وعاداته، - فضلا - عن كونها مظاهر دخيلة على مجتمعاتنا العربية.

أيام قليلة، وينقضي شهر الصيام. شهر خليق أن يحتل المكانة الرفيعة في نفوس المسلمين، لاسيما وأن نزول القرآن بدأ منه، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر . ثم، أليس في تخصيص شهر رمضان بشريعة الصيام ؛ من أجل تحصيل التقوى. وهو ما أكده ربنا -جل في علاه- حين قال: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".

[email protected]

الأربعاء - 03 رمضان 1437 - 08 يونيو 2016 - 10:56 صباحا ً
5
3738

رئيس المحكمة العليا:

درجت العادة -في كل عام- أن يتجدد الجدال والنقاش حول الرؤية الشرعية للهلال لدخول شهر رمضان وخروجه، بين القائلين باعتماد الحسابات الفلكية والاستفادة من التقنيات الحديثة، والقائلين بضرورة تأكيد اعتماد الرؤية ودعوة المسلمين بالاحتساب لترائي الهلال والأخذ بشهادة العدول؛ فهل ستعجز الأمة عن إيجاد الحلول لردم الفجوة بين علماء الشرع وعلماء الفلك، والتوفيق بين الاعتراف بعلم الفلك ونظرياته ونتائجه وبين النصوص الشرعية من أجل تحقيق المقصود الشرعي لرؤية الهلال؟!

وزير العدل:

تفاوت الأحكام التعزيرية -لا سيما في قضايا متطابقة في أحوالها- من قاض إلى آخر وفق رؤيته الخاصة؛ يستدعي تطوير المرفق القضائي عن طريق التقنين، وإصدار مدونة للأحكام التعزيرية لتكون مرجعية لكافة القضاة، تحدد من خلالها العقوبات والأحكام القضائية التعزيرية بدقة؛ لما في ذلك من مصالح كثيرة، بدلًا من الحكم على الجريمة الواحدة في محكمة واحدة بعقوبتين مختلفتين؛ فيوقع الجهات القضائية في حرج شديد أمام الرأي العام، كما أن من شأن التقنين -أيضًا- تسهيل عمل القضاة، وتوفير الجهد والوقت في البحث والوصول إلى الدليل.

الرئيس العام لشؤون الحرمين:

رجائي .. أن يعاد النظر في موضوع دعاء ختم القرآن في صلاة ثنائية، وأن تؤصل المسألة تأصيلًا شرعيًّا؛ فالسنة أن يكون الدعاء في الوتر، سواء كان ذلك قبل الركوع أو بعده؛ حتى لا يحتج أحد علينا بقوله: في الوقت الذي تحاربون فيه البدع، تبتدعون ما لم يأت به الدين؛ فما المانع -يا معالي الشيخ- أن يُقرأ في كل ليلة جزء كامل من القرآن؛ فإذا كانت ليلة التاسع والعشرين يُقرأ في القيام الأول الجزء التاسع والعشرون، وفي القيام الثاني -من الليلة نفسها- يُقرأ الجزء الثلاثون، وبعدها يُقرأ الدعاء في صلاة الوتر؛ لأن الوتر هو مكان الدعاء، كما سبق؟!

 [email protected]  

 

السبت - 21 شعبان 1437 - 28 مايو 2016 - 05:33 مساءً
9
39618

   أجرى مركز رؤية للدراسات الاجتماعية - قبل عدة سنوات - بحثًا ميدانيًا شمل " 2500 " من أئمة  جوامع المملكة حول زواج المسيار , من حيث مدى التأييد, والموافقة , والدوافع , والآثار المترتبة على مثل هذا الزواج . وقال باحثو المركز: إن الاستطلاع سعى إلى التعرف على مدى قبول أئمة الجوامع لزواج المسيار , والوقوف على الدوافع المختلفة للإقبال على زواج المسيار من وجهة نظر عينة من أئمة الجوامع، وتحديد ًا الآثار المختلفة الناتجة عن زواج المسيار, وتوفير المعلومات الموثقة عن زواج المسيار لصناع القرار, والمؤثرين، من سياسيين , وشرعيين , ومفكرين , وإعلاميين؛ للتعاون الإيجابي المثمر في دفع عجلة الإصلاح, والتحضر .

وقد أبدى " 65% " من أفراد العينة عدم اقتناعهم بزواج المسيار - من وجهة نظرهم - , للأسباب التالية على الترتيب : إن اتخاذه وسيلة للمتعة لا يحقق السكن, والمودة, والرحمة، ويؤدي إلى حدوث مشكلات أسرية وقد يتخذ ساترا للانحراف، ويحرم المرأة من بعض حقوقها الشرعية، وفيه غش, وخداع للزوجة الأولى، ويدل على ضعف الزوج, وعدم تحمل مسؤولية أسرته، كما يعد امتهانا لإنسانية المرأة, ويلغي قوامة الرجل عليها.

وكشفت نتائج الاستطلاع عن أن " 35 % " من أفراد العينة من أئمة الجوامع مقتنعون بزواج المسيار , وجاءت أسباب الاقتناع بزواج المسيار - من وجهة نظرهم - للأسباب التالية على الترتيب : فهو يتم بعقد شرعي مستوفى الأركان بإيجاب, وقبول, وشهادة, وعقد، ويسهم في حل مشكلة العنوسة, والمطلقات, والأرامل، ويلبي حاجة المرأة لرجل يعفَّها , ويحصنها دون أن تكلفه مالا، كما أنه يقلل من نسب الانحراف في المجتمع، ويلبي حاجة المرأة التي لها ظروف تمنعها من تلبية حقوق الزوج كاملة، ويحقق رغبة الرجال في تعدد الزوجات، ويحل مشكلة الرجل الذي عنده أسفار كثيرة, ويحقق للطرفين الاستقرار, والأمان. 

وعلى الرغم من أن مجمع الفقه الإسلامي أجاز زواج المسيار, ووضع ضوابط, وشروطا تحكمه؛ من أجل حفظ حقوق الزوجة, وحقوق الأبناء, إلا أننا نشهد قصصا مؤلمة , وحوادث مؤسفة, لا تكون أبدا في صالح كثير من النساء المحتاجات إلى هذا النوع من الزواج بسبب, أو لآخر؛ حيث تصف - الدكتورة - سهيلة زين العابدين - عضو جمعية حقوق الإنسان - زواج المسيار , بأنه إهانة للمرأة , وقالت، "إن أغلب القضايا التي تعرض على لجان حقوق الإنسان في المملكة ناتجة عن زواج المسيار, وضحاياه, - سواء - من الزوجات, أو الأولاد". . وحدثني أحد القضاة الفضلاء: إن كثيرا من القضايا المنظورة أمام المحاكم الشرعية ناتجة عن زواج المسيار , فهو مجرد تمضية وقت, ونيل من كرامة المرأة, واستغلال لها قد يدفعها إلى التشفي, والانتقام.

ويعتبر هذا النوع من الزواج حديث عهد بالمجتمع, وقد تكون له صور مشابهة له في الماضي, فقد أوردت بعض الكتب الفقهية حالات فيها بعض الشبه من هذا الزواج. ولزواج المسيار أسباب عديدة: منها ما يتعلق بالرجال, كرغبة بعض الرجال في المتعة, وعدم رغبتهم في تحمل المزيد من الأعباء. ومنها ما يتعلق بالنساء, كعنوسة المرأة, أو طلاقها, أو ترملها, ورفض كثير من النساء فكرة التعدد. ومنها ما يتعلق بالمجتمع, كغلاء المهور, وارتفاع تكاليف الزواج, ونظرة المجتمع بشيء من الازدراء للرجل الذي يرغب في التعدد.

زواج المسيار يمثل إشباعا مؤقتا للرغبة الجنسية, دون مراعاة لمقاصد الزواج, ولا إلى الأضرار التي قد تلحق المرأة بعد طلاقها, - سواء - كانت اجتماعية, أو نفسية, أو أخلاقية. فالحكمة من الزواج هي الاستقرار , والسكن, والمودة, والرحمة, وتحصيل الذرية الصالحة؛ فيتكون المجتمع مترابطا, يشد بعضه بعضا؛ فالعبرة إذن بحقائق الأمور, ومقاصدها, لا بمعانيها, وأسمائها, - وبالتالي - هو صحيح بالأركان؛ لكنه فاسد بالمقاصد, والمعاني, فهو وإن حقق الإحصان إلا أنه لم يحقق السكن.

وفي المقابل , فإن هناك من يحتج بأن زواج المسيار مكتمل الأركان, والشروط , ففيه إيجاب, وقبول, وولي, وشاهدان؛ فيتفق الزوجان على ألا يقيم الزوج مع الزوجة, وإنما يتردد عليها عند الحاجة؛ فالمرأة وإن تنازلت عن بعض حقوقها, فهي مالكة الحق، ولها أن تتنازل عن ذلك , ويستدلون بقول الله- تعالى- : "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير", فقد قيل في سبب نزول هذه الآية، إن سودة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تنازلت عن ليلتها لعائشة - رضي الله عنها - , لما أحست أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد طلاقها . وقد تفضل بعض النساء هذا النوع من الزواج؛ نظرا لانشغالهن بأبنائهن, أو آبائهن , أو وظيفتهن . وحاجتهن إلى العفاف , وتحصين أنفسهن من الفتن .

إن جاز لي أن أختم بشيء, فهو الإشارة إلى دراسة فقهيّة, واجتماعيّة, - للأستاذ - عبد الملك بن يوسف المطلق , بعنوان: "زواج المسيار- الأسباب والعوامل التي ساهمت في انتشار المسيار " , استعرض من خلالها الأسباب , والعوامل التي ساهمت في انتشار المسيار , فيقول، إن هناك أسبابًا تتعلق بالرجال, كرغبة بعضهم في التعدّد؛ من أجل المتعة التي ربما لا يجدها مع زوجته الأولى, وأوضح أن " 66.3% " من أفراد عينة من الرجال البالغ عددهم "200 " رجل , أن من أسباب ظهور زواج المسيار, هو رغبة الرجل في المتعة, وتحرّزًا من علم الزوجة الأولى، في حين أبدى "85.9%" ممن شملتهم الاستبانة, أن السبب هو هروب بعض الرجال من تبعات الزواج العادي, وواجباته. كما رأى " 61.3% " من أفراد العينة, أن عدم استقرار الرجل في العمل, وكثرة تردّده على بعض المدن, والبلدان, يضطره - في كثير من الأحيان - إلى هذا الزواج ؛ حيث الحاجة إلى امرأة, مع عدم استعداده لتحمل مسؤولية الزواج كاملة. ويبقى سؤالي الخيال: ألم يشرع الزواج لحكم عظيمة, وغايات نبيلة ؟ . وسؤالي لما فوق الخيال: أليس في هذا النوع من الزواج مدعاة لانصراف الناس عن الصورة الأصلية للزواج, وفيه انتهاك لحقوق الزوجة, - خصوصا - حقها في تكوين أسرة؟ 

 

                                                                                      

                                                                                               [email protected]   

الثلاثاء - 17 شعبان 1437 - 24 مايو 2016 - 02:21 مساءً
2
3585

في ندوة عقدتها صحيفة "عكاظ" قبل أيام تحت عنوان: "الابتزاز.. أسبابه وأشكاله وعلاجه"، ذكر مختصون أن 72 % من حالات الابتزاز ناتجة عن احتياج الفتيات للعاطفة، خصوصًا في تلك الأسر التي تنعدم فيها العاطفة الأسرية، ويتسيّد فيها العنف، والمعاملة القاسية. مؤكدين ضرورة استخدام التقنية في محيط الأسرة، حتى يتم تشكيل رقابة جماعية؛ حيث يجب أن تكون الأجهزة غير مغلقة، ومتاحة للبقية، بالإضافة إلى إعطاء مساحة للعاطفة الأسرية في المنزل، وعدم استخدام السلطة بقسوة على الشاب، أو الفتاة، وضبط العلاقات الاجتماعية للفتاة أولا، وللشباب ثانيًا.

وبعيدًا عن لغة التعميم والتهويل، وبعيدًا عن ادعاء المثالية التي تكرس -مع الأسف- أخطاء مسكوتًا عنها، فإن معرفة الحجم الحقيقي لظاهرة "ابتزاز الفتيات"، وتنوعها، ومناقشتها بموضوعية؛ سيكون السبيل الصحيح للتصدي لهذه الظاهرة، والمحافظة على الأعراض، باعتبارها من الضرورات الخمس، التي أكدت الشريعة الإسلامية على مراعاتها.

سأعترف بداية، أن ظاهرة "ابتزاز الفتيات" ظهرت نتيجة بعض التحولات التي طرأت في المجتمع. وهي تُعتبر جريمة من الناحيتين الشرعية والقانونية، كونها من أسوأ أشكال الابتزاز، إن بطريق مباشر، أو غير مباشر. وأنها أصبحت مشكلة تُؤرق الفتيات، وأسرهن من جهة، والجهات الحكومية من جهة أخرى، على الرغم من أن جرائم ابتزاز وتهديد الفتيات أُدرجت مؤخّرًا ضمن الجرائم الكبرى الصادرة من وزارة الداخلية، ويستحق مرتكبها السجن والعقوبة.

لا شك أن العالم من حولنا تغيّر، ولم يبق على حاله، وهو نتاج طبيعي لدرجة العلم الذي وصل إليه، ولذا فإن تعدد أجهزة الاتصال المسموعة، والمرئية، إضافة إلى أجهزة التصوير، ساهمت بشكل كبير في تنامي هذه الظاهرة، إما عن طريق تسجيل صوت الفتاة بمكالمات هاتفية، أو تصويرها بمقاطع فيديو لإقامة العلاقة المقصودة أيًّا كان نوعها، ولو بطرق غير مشروعة. وقد وُجد أن نسبة من الفتيات قد يرضخن أمام الفضيحة، والضغط النفسي الذي يُمارس عليهن؛ فتستجيب –حينئذ- للتهديد خوفًا من العار، وتصبح بعد ذلك مختطفة من الذئب البشري مرة بعد مرة، وهذا ما يُؤكده أستاذ علم النفس الإكلينيكي الدكتور حاتم الغامدي، حين أشار إلى الأسباب النفسية التي تجعل الشاب يبتز الفتاة، ومنها أنه عندما يريد الشاب أن يبدأ في علاقة مع الفتاة، فإنه يفكر فيها كأداة، أو وسيلة لتفريغ شهوته، أي ينظر لها نظرة جنسية، بينما تنظر هي للشاب على أنه مصدر للحب، والعاطفة، والقوة. وعن طريق تفهم الشاب للحاجات النفسية للفتاة، خصوصًا في مرحلة المراهقة، والشباب، يستطيع في الغالب النجاح في تحقيق أهدافه، خاصة إذا وُجد من الطرف الآخر التجاوب.

لهذه الظاهرة أسباب كثيرة، لعل من أهمها: العنوسة، والحرمان العاطفي، والفراغ، والبطالة، وعدم وجود قنوات توعوية لتنظيم العلاقات، وعدم وجود دخل مادي ثابت. وهنا يأتي دور الأسرة في بناء شخصية الفتاة، وزرع القيم الفاضلة لديها، وربطها بالله، ولا يكون ذلك ممكنًا إلا إذا استطاعت تهيئة المناخ العام الإيجابي، والمتمثل في قدرتها على خلق علاقات إنسانية ناجحة بين أفرادها، بعيدًا عن الأزمات النفسية، والانفعالية، والرقي بعواطفهن إلى مرحلة الإشباع، والعمل على توعيتهن في البعد عن التفكير الخاطئ، ومن ذلك: القدرة على تمييز العلاقات الصحيحة من الخاطئة، والتعامل الإيجابي مع التقنيات الحديثة.

أهم ما يُمكن إضافته فيما تبقى من مساحة، هو الإشارة إلى إمكانية استحداث رقم للطوارئ لدى الجهات الحكومية لتقديم الاستشارات، والنصائح الهاتفية في هذا الباب حتى ينعم المجتمع بالأمن الأخلاقي، والاستقرار الأسري، وحتى تدرك الفتاة حقيقة حريتها، وثقتها بنفسها، وقدرتها على تجاوز تلك الأزمات من أجل ألا تقع الفتاة بالوصف الخاص بالابتزاز العاطفي، والذي أطلقته العالمة النفسية الأمريكية سوزان فورورد، صاحبة الكتاب الذي يحمل الاسم "فوغ"، والذي حقق مبيعات كبيرة؛ فمختصر كلمة "فوغ"، هنا لا يعني الضباب، بل يعني شيئا آخر "الخوف، الالتزام، الذنب"، وهي ثلاثة مشاعر، يحاول الشخص المبتزّ إثارتها في ضحاياه، وتفسّرها "فوروورد" على الشكل التالي: "الشعور بالخوف، بأننا لن نتوافق معه. والشعور بالالتزام لتنفيذ مطالبه، والشعور بالذنب بأننا لن نتمكن من تحقيق ذلك".

 

 [email protected]

الخميس - 12 شعبان 1437 - 19 مايو 2016 - 12:30 مساءً
12
24927

لا أقصد الإثارة بهذا العنوان، فما يهمني هو التأكيد على أن التحرش أصبح آفة العصر، بعد أن تصاعدت أرقامه المفزعة في منحنى بياني واضح، رغم وجود الأنظمة الرادعة لهذه الظاهرة ؛ ولأن للحديث صلة بهذه الآفة، فقد كشفت دراسة ميدانية أجريت منذ سنوات قليلة، بواسطة شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة الأنباء العالمية "رويترز"، أن " 16%" من النساء العاملات في السعودية، قد تعرضن للتحرش الجنسي من قِبل مدرائهن في العمل.

الحكاية هي أخت لحكايات كثيرة من التناقض الأخلاقي، ويبدو أن استغلال بعض النفوس الخبيثة لحاجة بعض النساء العاملات، قد أصبح فذلكة بعد أن كان وصمة عار. ولم أستطع أن أغفل عن هذه الإحصائية، وعن معاناة المرأة العاملة، التي تتعرض لمساومات مخلّة بالشرف، ويحتال عليها بهذه الوسيلة من لم يرقب في الله إلا ولا ذمة؛ من أجل حاجتها؛ فتقع فريسة له، وتنتج سلوكيات لا تُحمد عقباها، وتستغل أبشع استغلال، وتهان كرامتها وإنسانيتها، ويداس على شرفها. وفي المقابل، فإن من تتمسك بعفتها وطهرها، تقفل في وجهها الأبواب في غالب الأحوال.

إنها قضية الفتاة العاملة، التي تزداد معاناتها بسبب ظاهرة التحرش الجنسي، ممن تعرضن لسلوك تطفلي مضمونه جنسي، يجعل المرأة مهددة في أمنها، وسلامتها -بدنيًا ونفسيًا- تحت الضغط دون رغبتها من شخص تعرفه أو لا تعرفه. وتتفاوت درجات التحرش، بدءًا من النظرة الجنسية الفاحصة لجسد المرأة، والتلفظ عليها بألفاظ ذات إيحاءات جنسية، من خلال المعاكسات الكلامية أو الهاتفية. وقد نشرت صحيفة "عكاظ" قبل أيام في عددها رقم "5449"، بعنوان: "ممرضات.. نتعرض للتحرش أحيانًا"،  كشفت من خلال التحقيق عن عدد من الممرضات، بأنهن يتعرضن لأشكال مختلفة من الانتهاكات، بداية من الضرب، والاعتداء اللفظي، وصولًا إلى التحرش الجنسي من قبل بعض المراجعين، وبعض الأطباء.

وقد تنتهي العواقب بلمس جسد المرأة، إذ توضح أرقام التحرش الجنسي، وهي غير دقيقة: أن عدد اللواتي يتجرأن على التقدم بشكوى، لا يتجاوز الـ"25%" من مجموع حالات التحرش؛ فكثير من ضحايا التحرش -نتيجة حساسية الموضوع- يفضلن في نهاية المطاف لتغاضي، وعدم إثارة تلك الموضوعات، وتركها تمرّ بسلام؛ خوفًا من الفضيحة، ومن تلويث سمعتها، إضافة إلى حاجتها لكسب لقمة العيش، فلا تتجرأ –حينئذ- على الإبلاغ. ولذا فإننا بحاجة إلى إحصائيات دقيقة، توضح حجم تلك الظاهرة، التي بدأت تطل برأسها في الآونة الأخيرة.

إن الأمر يتطلب الوقوف على هذه الظاهرة، ودراستها؛ من أجل حماية المرأة من أنواع العنف -المادي والمعنوي- الموجه ضدها، وذلك عن طريق ابتكار الحلول الشرعية، والنظامية التي تواجهها، وسنّ قوانين واضحة، وصارمة ضد التحرش الجنسي، وتفعيل تلك القوانين؛ حتى يتخذ بحق كل من يستغل وظيفته؛ من أجل التحرش الجنسي إجراء تعزيري صارم، ولا بأس من التشهير به إن ثبتت جريمته. كما أن تشجيع النساء بالإبلاغ عن ظاهرة التحرش الجنسي، وعدم الخوف من الفضيحة، والعودة إلى الخلف، بل التقدم خطوة إلى الأمام، والتعاون مع الجهات الأمنية؛ لمعاقبة هؤلاء المجرمين، ومحاسبتهم، وتغليظ العقوبة في حقهم، أمور في غاية الأهمية.

الأحد - 08 شعبان 1437 - 15 مايو 2016 - 12:10 صباحا ً
6
5274

يتكرر الجدل المجتمعي حول فتح دور السينما في السعودية , حيث شكّل موضوع السينما - خلال - الأيام الماضية , حراكا ثقافيا فكريا ساخنا في المجتمع , - لاسيما - أن هناك بوادر تلوح في الأفق , تشير إلى أن السعودية قد تكون البلد الوحيد في العالم التي تفتقر للسينما , وأن قرب افتتاح صالات سينما في السعودية هي مسألة وقت ؛ فالإعلام في عصرنا بات عاملا مؤثرا في صناعة الرأي العام , وهو ما أشار إليه " لينين " حين اعترف بقوة , وتأثير السينما , و " غوبلز " الألماني الذي تحدث عن سلطة السينما .

وترجع حكاية السينما في السعودية إلى ستينيات القرن الماضي , حيث انتشرت في مدينة جدة , - خلال - أكثر من ثلاثة عقود  مواقع ؛ لتقديم العروض السينمائية . وقد ذكر- المؤرخ - الفرنسي الشهير : " جورج سادول " , في كتابه " تاريخ السينما في العالم " : " أن السعوديين لا يعرفون شيئا عن السينما حتى عام 1965 م " .

هناك من يرى : أهمية السينما كرافد ثقافي في تشكيل طرائق التفكير , مع تعزيزها بالضوابط الرقابية المطلوبة , إذ لا مانع من توظيف السينما في تثقيف المجتمع , وبلورة المفردات التي يتأسس منها العقل المجتمعي , بما يتوافق مع الروابط الإسلامية , والأخلاقية السامية الهادفة , - لاسيما - وأن السينما تعتبر من الإصلاحات الحديثة , التي ليس بوسع أكبر مصدر للنفط في العالم أن يبقى واقفا مكانه , بينما يتغير العالم من حوله . - إذن - فهذه الفوبيا غير مبررة , ولن تكون هناك إشكالية رقابة على مضامين الأفلام السينمائية .

وهناك من يرى : أنها باب للشر لا فائدة من فتحه , وسيمهد لاختراق أخلاقي , وقيمي داخل المجتمع , والسير نحو طريق مظلم من الانحطاط الفني . بل سيكون من الصعوبة بمكان , السيطرة على ما يتسرب من محتوى أفلام السينما , وستكون استنساخا لما تفرضه القنوات الفضائية من أفلام تخدش الحياء , وتضر بالسلام الاجتماعي , وبقيم , وتقاليد المجتمع , - إضافة - إلى ما تروجه من علاقات محرمة , وللجريمة , والأنماط المخلة التي لا تتمتع بأي وازع ديني , أو قيمي ؛ ففاقد الشيء لن يعطيه .

على أيّ حال , لن أكون حادا في نقاشي , وعنيفا في رأيي , وسأتفق مع - الدكتور- عوض القرني , حين تساءل حسب ما هو منشور في - صحيفة - عكاظ , العدد ( 15461 ) : هل توجد سينما من حيث التأليف , والسيناريوهات , والتمثيل , والإخراج التي يمكن أن تعبر عن خصوصية , وهموم الشعب السعودي , بل عن خصوصية , وطموحات المسلم في أي مكان ؟ . أم أن الموجود في العالم الإسلامي , هو إعادة استنساخ لما لدى الغرب تماما ؛ ولكن بوجوه عربية , ولسان عربي أحيانا ؟ . ثم هل قدم حتى الآن أي عمل سينمائي يمثل قيم , وأخلاق المسلمين في أي بلد , ويلتزم بضوابط الإسلام , وأحكامه ؟ .

أعتقد , أن المطالبين بالسينما في السعودية , إما أنهم لازالوا يعيشون معطيات الستينات الميلادية , وما قبلها , أو أنهم يوظفون هذه المطالبة لمشروع اجتماعي تغييري , ليس المقصود منه السينما , إنما هي إحدى أدواته . نعم , يمكن أن تعبّر السينما عن الإبداع , والجمال ؛ لكن وفق أيّ قيم ؟ , ومن أي منطلق , ورؤية للحياة ؟ . هذا هو السؤال الذي لا يريد دعاة السينما في السعودية أن يجيبوا عليه .

 

                                                                                               سعد بن عبد القادر القويعي      

                                                                                               [email protected]   

الأحد - 01 شعبان 1437 - 08 مايو 2016 - 12:01 صباحا ً
5
6570

ينعكس الألم الكبير في الأرقام المعلنة عن الوظائف المعطلة , وتشعرك تلك التقارير بالغضب , خشية استفحال البطالة التي أصبحت آفة تنخر جسد المجتمع , بعد أن تحولت تلك الظاهرة إلى كابوس يقض مضجع الشباب , ويغتال طموحاتهم ؛ فالأزمات قد تراكمت على مر العقود , وحلها - اليوم - لم يعد أمرا سهلا , وهنا جوهر الأزمة , وقمة التحدي الكبير .

الجانب الآخر المظلم للبطالة , هو مسؤوليتها عن ارتفاع معدلات الجريمة , والانحراف , مما يهدد استقرار المجتمع بانتشار الجرائم فيه , وزيادتها في أوساط الشباب . وهذا ما ورد في تقرير الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية من ارتفاع عدد الجرائم , وظهور جرائم غريبة على المجتمع السعودي , بعضها أخذ شكل التنظيم . وعزا التقرير أهم عوامل نسبة ارتفاع الجريمة , إلى تفاقم نسبة البطالة لدى الشباب , إذ يبدو نمو جرائم السرقة , وازدياد الجرائم الأخلاقية ظاهرة مقلقة ؛ فأضحت البطالة عائقا تنمويا كبيرا , وسببا في تهديد استقرار المجتمع ؛ نظرا لما تفرزه من أثار سلبية خطيرة على المستويات الأمنية , والاقتصادية , والاجتماعية .

حينما تتطاير الأسئلة كالزئبق تبدأ , ولا تنتهي , وتتناثر بقدرتها على إحداث الدهشة بشكل متصل , فتجعلك تعتقد جازما , أن السماء قد أمطرت وظائف حكومية ؛ لكنها معطلة , وهو ما يتقاطع بشكل درامي مع مقولة معالي وزير العمل الراحل - الدكتور - غازي القصيبي - رحمه الله - عندما قال : " إن السماء لا تمطر وظائف حكومية , ومن ينتظرونها تمطر سيطول انتظارهم " .

معالي وزير العمل : إن قضية البطالة تعتبر من أهم القضايا التي تشغل دول العالم , - سواء - الصناعية , أو دول العالم الثالث . ولا يكفي الإحساس , والشعور بداء البطالة , والاعتراف به بواقعية , وموضوعية , إذا لم يكن هناك تصحيح للخطأ , والسعي لمعالجته . وما سنحتاجه في المرحلة القادمة , هو أن تجتمع آليات التنفيذ مع القرار السياسي ؛ لجعلها موضع التنفيذ , وإلا لن يعدو أن تكون محاضر تلك اللقاءات , والاقتراحات حبرا على ورق .

 

                                                                                               [email protected]   

السبت - 23 رجب 1437 - 30 أبريل 2016 - 11:43 مساءً
6
7023

سرّ بعثته - صلى الله عليه وسلم - الأخلاق الحميدة , فهو القائل‏ : ‏" ‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت‏ "‏ , وهذا أمر صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم الإنسان إلا إذا كان الكلام خيرًا ، وهو الذي ظهرت مصلحته ، ومتى شك في ظهور المصلحة ، فلا يتكلم‏ . بل إن أهل العلم ذكروا : أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة ، ومتى استوى الكلام , وتركه في المصلحة ، فالسنة الإمساك عنه ؛ لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام , أو مكروه ، وذلك كثير في العادة ، والسلامة لا يعدلها شيء .

في خضم رقص البعض على خبر موت رجل , فإن الأفكار المتضادة لا تبرر الشماتة بالميتين , بل إن العفو , والإمساك عن ذكر المساوئ , والدعاء للميت بالرحمه منزلة أعلى , إن لم يترتب عليها مفسدة , - وخصوصا - إذا لم يكن قد استوفى القضاء في جميع الأدلة في الحكم عليه ؛ ولأنني لا أريد أن أحول مقالتي هذه إلى خطبة دعوية , أوموعظة فقهية , فإن سبّ , وشتم الموتى غير جائز ؛ لحديث : " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " , كما في صحيح البخارى . - وفي المقابل - يجوز ذكر الأخطاء بطريقة شرعية عندما نختلف معه , وننتقد الأفكار في إطار الاحترام , إن كان في ذلك مصلحة بدون تعدِ , وﻻ بهتان للحديث أعلاه .

قد يكره الإنسان أفعال البعض ؛ لكنه لا يشمت بموتهم , ولا يفرح فى مصائبهم ؛ لأن ذلك يعد خوضا فى نظام المحاسبة الإلهية ؛ فالميت أفضى إلى ما قدم , وهو بين يدى الله - جلّ في علاه - . كما أن فعلا كهذا شيئ من تزكية النفس , والركون إليها . ولا زلت أذكر شيئا من مواقف - شيخ الإسلام - ابن تيمية - رحمه الله - , حين مات أحد أعدائه , إذ يقول تلميذه ابن القيم - رحمه الله - في كتابه مدارج السالكين 345 / 2 , ما نصّه : " وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه , وخصومه , وما رأيته يدعو على أحد منهم - قطّ - , وكان يدعو لهم . وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه , وأشدهم عداوة , وأذى له ؛ فنهرني , وتنكر لي , واسترجع , ثم قام من فوره إلى بيت أهله , فعزاهم , وقال : إني لكم مكانه , ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه , ونحو هذا من الكلام ؛ فسروا به , ودعوا له , وعظموا هذه الحال منه , فرحمه الله , ورضى عنه " .

إن احترام حقيقة الموت من مبادئ الإسلام , الذي حرص على تربية أبنائه على معاني الأخوة , والوحدة ، وحذرهم من كل ما يتنافى مع هذه الرابطة , أو ينتقص منها . وما يقابل تلك الصورة من الشماتة , والتشفِّيَ بالموت ليس خُلقا إنسانيًّا , ولا دينيًّا , وإنما هو من الحيف على من يبغضه الشامت , وما تطويه نفسه من الشر لمن يشمت به . ولا أحيف عن الحق إن قلت : إنه لون من ألوان المخالفة الشرعية ؛ لشدة الجرح , وكبير الألم , وعظيم المصيبة .

بقي أن يقال : إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء " , فما أجمل أن نحسن استثمار مواقف الحياة في الدعوة إلى دين الله بالكلمة اللينة ، أسوة بصنيع النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قام لجنازة مرت به ، فقالوا : " يا رسول الله إنها ليهودي " ، فقال : " أليست نفساً ؟ " , وأن ننأى بأنفسنا عن صفة من صفات المنافقين , " وإذا خاصَم فَجَر " ، ومن الفجور الشَّماتة بالميتين .

 

                                                                                               سعد بن عبد القادر القويعي      

                                                                                               [email protected]   

الأحد - 10 رجب 1437 - 17 أبريل 2016 - 06:36 مساءً
2
3321

عن عمر مبارَك ناهز الخامسة والستين عاماً ؛ قضاها في خدمة القرآن الكريم - إقراءاً، وتعليماً ، وتفسيراً- , رحل - الشيخ - محمد أيوب عن دنيانا الفانية , بعد أن أسس لنفسه مدرسة فريدة فى قراءة القرآن الكريم بلسان فصيح , ذات نطق محكم صحيح ؛ فانفتح لقرائته القلوب , وانشرح لسماعه الصدور , وتلقت الأمة قراءته بالقبول .

في ابتسامة مشرقة لا تكاد تفارق صفحة وجهه , تحدث عنه إمام الحرم المدني - الشيخ - حسين آل الشيخ , - مؤكدًا - أنه عرفه : " رجلًا تقيًّا , زاهدًا , ورعًا , متواضعًا , وبشوشًا , وسمحًا , ومحبًّا لأهل القرآن , والعلم " ؛ مما جعله ينال الثناء , والمدح ممن عرفه , ومن لم يعرفه . وأزيد على ما ذكره الشيخ , أن في تلاوته جمال أداء ، وكمال قراءة ، ودقة حفظ ، ورقة أسلوب . بل إنك لتعجب من قوة الأداء التي يتقنها ، وبراعة التنقل بين الآيات , بطريقة لم يدانه فيها إلا القليل ؛ فكان - بحق - امتدادا لمدرسة التلاوة في الحرمين الشريفين . وما زال الشيخ يتنقل من نجاح إلى نجاح ؛ حتى سجّل القرآن كاملا في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف , متضمنا نصّ القرآن الكريم بهيئة إلكترونية ، وتلاوة صوتية عذبة . 

من أبرز المقاطع التي جرى تداولها بصوت الشيخ الراحل , كانت عندما تقدم محراب المسجد النبوي , وبدأ بتلاوة آيات من سورة الأحزاب ؛ فكان أن ذهل الحاضرون , والمستمعون لعذوبة صوت الشيخ , وإمكاناته العالية المتميزة في التجويد ؛ مما يدل على تلاوته النافذة إلى القلوب , والآذان .

كانت أمنيته أن يعود إلى إمامة المصلين في الحرم النبوي الشريف قبل أن يلقى الله - عز وجل - ؛ فأتت موافقة - خادم الحرمين الشريفين - في شهر يونيو من العام الماضي ، على عودة الشيخ محمد أيوب ؛ ليصبح إمامًا مشاركًا , ومتعاونًا في المسجد النبوي . ويكفيه فخرا إمامته للمسجد النبوي ، - وكذلك - إمامته في مسجد قباء ؛ ليكون بحق امتدادا قويا لجيل عمالقة قرّاء القرآن الكريم - ترتيلا وتجويدا - في علم النغم , وطول النفس , استطاع من خلالها أن يحقق إنجازاً كبيراً , وشهرة واسعة في مرحلة اختلطت فيها النغمات , وماجت الساحة بكثير من الأصوات القرآنية التي تشابهت علينا .

رحم الله شيخَنا الجليل ، وأسكنه فسيحَ جنّاته . وعزاؤنا أن حلاوة صوته , ونداوته , ستبقى محفورة في نفوس من عرفوه عبر امتداد الزمن , وتعاقب السنوات .

 [email protected]  

الأحد - 03 رجب 1437 - 10 أبريل 2016 - 07:09 مساءً
7
1359

تردد في - الآونة الأخيرة - على مسامعنا عبارة " المسؤولية الاجتماعية " , وهي تعني : دور الأفراد , والقطاع الخاص , والمجتمع المدني , والتشريعات الحكومية في المساهمة في عملية التنمية المستدامة , من خلال غرز القيم الأخلاقية , والإنسانية في المجتمع , والمساهمة في تحسين قطاعات مختلفة , مثل : التعليم , والصحة , والبيئة .

إلا أن ملامح تلك العبارة لم تتحدد بعد بشكل واضح , وخذ على ذلك مثالا : فبعض الشركات , والمؤسسات , والبنوك التي دعمتها الدولة بشكل - مادي ومعنوي - لسنوات طويلة , في ظل الازدهار الاقتصادي , والاستقرار المالي , والأنظمة المحفزة , - خصوصا - في عدم فرض الضرائب , قد تضاعفت أرباحها الضخمة , وانتفخت جيوبها , وفاضت من العوائد المادية , إلا أنها - في المقابل - لم تقدم سوى الشيء اليسير للمجتمع , كتقديم تبرعات نقدية - بسيطة جدا - لبعض الجمعيات الخيرية . بل إن نسبة الشركات المسجلة رسميا في المملكة , والعاملة فيها , والتي تطبق مبدأ - المسؤولية الاجتماعية - تصل إلى " 21% " - فقط - . أما باقي المؤسسات فلم تنذر نفسها للأعمال الاجتماعية , بل لا تزال في حدود الإعراب عن النوايا الحسنة - فقط - , وأخذت في ذر الرماد في العيون . وأذكر جيدا , أن أحد البنوك المحلية رفض أن يتنازل عن قرض لرجل أمن استشهد في المواجهات مع الفئة الضالة , وقامت الجهة المعنية بالدفع للبنك وفاءا للشهيد , ولعائلته .

ولا يرقى الواقع الذي نعيشه - مع الأسف - إلى مفهوم " المسؤولية الاجتماعية " عمليا , ولا إلى مستوى الرصيد من الإرث الإنساني , والديني , والقيمي , فهو دور غير ملموس , إذ لا تعدو كونها محاولات قليلة . ويغيب هذا المفهوم لدينا بشكل واضح , إما لقلة الوعي فيما يتعلق بثقافة " المسؤولية الاجتماعية " , وإما لخلط مفهوم " المسؤولية الاجتماعية " بالتبرعات الخيرية , وأنها تدخل في مفهوم الزكوات , والصدقات . وهذا فهم خاطئ , " فالمسؤولية الاجتماعية " هي التزامات مستحقة على القطاع الخاص للمجتمع الذي تعمل فيه , لا علاقة له بمفهوم الإنفاق .

ومن أجل التأكيد على مفهوم المسؤولية الاجتماعية لا بد من إدراج إدراجها كمفهوم إنساني في مناهج التعليم , وهو التوجه الحالي , والأول من نوعه على مستوى الجامعات السعودية - حسب تقديري - ؛ للبدأ مرحليا في إدراج مادة " المسؤولية الاجتماعية " ؛ من أجل فتح أبواب جديدة نحو قضايا مهمة , كتثقيف الإنسان , وتوسيع مداركه , وعرض التجارب الناضجة , والعلمية ؛ لتعزيز مفهوم " المسؤولية الاجتماعية " لدى الجميع . 

أحسب أن " المسؤولية الاجتماعية " باتت عنصرا مهما من عناصر الارتقاء بالنهضة الاقتصادية في المملكة , فهي رسالة صدق ,وخدمة إنسانية , تهدف إلى تحسين حياة الناس . ولذلك فوائد كثيرة , منها : تعزيز مكانة الشركات , والمؤسسات , وغيرهما لدى الجهات الرسمية , وتعزيز دورها للحفاظ على عملائها , وجذب عملاء آخرين , والحفاظ على موظفيها المتميزين , وبناء الثقة بينها , وبينهم لضمان مستقبل أفضل , وتوطيد العلاقات بينها , وبين المجتمع .

إن الوعي المرتبط بمفهوم " المسؤولية الاجتماعية " لدى جميع أفراد المجتمع بمختلف طبقاته , وشرائحه , وطبيعة تكوين مؤسساته , والتأكيد على أهمية الشراكة الفعالة بين القطاعين - العام والخاص - ؛ للنهوض بمستوى المسؤولية الاجتماعية , والارتقاء بمستوى الأداء مطالب مهمة - ولا شك - . ولا يكون ذلك إلا بوضع استراتيجية وطنية " للمسؤولية الاجتماعية " تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية ؛ لإعداد البحوث , والدراسات الخاصة ؛ من أجل دراسة احتياج المجتمع . كما نتطلع إلى مبادرة تشمل برامج , وندوات تثقيفية موجهة إلى كافة شرائح المجتمع توضح لهم مفهوم " المسؤولية الاجتماعية " , والدور الذي تلعبه في تحقيق الاستقرار , واعتبارها استثمارا اجتماعيا ناجحا , ومساهمة مباشرة لمستقبل الوطن , من خلال بناء المجتمعات , وصناعة الإنسان . ومن صور ذلك : محاربة الأمية , ونشر العلم , وتنمية الموارد البشرية عن طريق تدريب الشباب , وتأهيلهم , ودعم البحث العلمي , وتوفير بيئة عمل ملائمة , والمساهمة في ترسيخ الهوية الوطنية , والارتقاء بمستوى المعيشة عن طريق مكافحة الفقر , ومواكبة التطورات الاقتصادية , والتقنية .

إن من المهم الإشارة - قبل نهاية المقالة - إلى مبادرة الرجل الثري في العالم " بيل جيتس " , والذي تنازل عن جلّ ثروته للمؤسسة الخيرية التي أنشأها , والتي تستهدف مواجهة الفقر , والمرض في العالم الفقير , والإشادة بما حظيت به تلك المؤسسة من مساندة من أصدقاءه أعضاء نادي المليارديرات , وفي مقدمتهم " ورن بافت " , الذي قدم " 37 " مليار دولار دعما للمؤسسة .

كم نحتاج لتلك الجهود اليوم في ظل غياب مفهوم " المسؤولية الاجتماعية " في مجتمعنا , - لاسيما - وأنها تقتضي الذهاب إلى أبعد مما يطالب به النظام ؛ من أجل المساهمة في الصالح العام للمجتمع , حتى ينعم بالازدهار , والنمو الاجتماعي للأجيال القادمة , والسير نحو قضايا مهمة تشكل منعطفا حقيقيا في الحراك الاجتماعي النهضوي , والتنموي بمختلف تطبيقاته الفعلية على أرض الواقع ؛ لإحداث التغيير الإيجابي .
 
 [email protected]   

السبت - 24 جمادى الآخر 1437 - 02 أبريل 2016 - 11:05 مساءً
14
5799

من نافلة القول أن نصف المعلم , بأنه : صاحب رسالة سامية , وأنه أمين على أبناء الأمة , فهو يقوم بدور الوالدين في المدرسة . كما أن من نافلة القول , أن نؤكد على أن من الأسس , والمبادئ التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية بين جميع من يتصلون بالحياة المدرسية , ومن ذلك - علاقة المعلم بالطالب - , بأن يسود الجو المدرسي احترام كل فرد من أفراد المجموعة , واحترام رأيه , ورغباته ؛ حتى يعيش أفراد المجموعة في انسجام تام . 

ويرى معظم الباحثين التربويين أن العلاقة بين المعلم , والطالب , ليست على المستوى التي يجب أن تكون عليه , ولا تتفق مع الواقع الذي يعيشه كثير من الطلاب . فهناك فئة من المعلمين تنقصهم المهارات الإنسانية للتعامل مع الطلاب , فتجدهم لا يستطيعون خلق الجو العام الذي يساعد على تحسين أوضاع العملية التعليمية , والتربوية , كما لا يستطيعون الرفع من الروح المعنوية للطلاب . وقد يكون ذلك راجعا إلى أن بعضا من المعلمين يمارسون عملهم دون تدريب , وتبصير لمهام عملهم , أو أن نوعية الأسلوب الذي يتخذه المعلم في مخاطبة الطالب غير صحيحة , فلا يملك - حينئذ - مهارات التواصل , والقدرة على الحوار مع الطلاب .

لا شك أن هناك معطيات تؤكد على أهمية بناء علاقات إيجابية بين المعلم , والطالب , تتمثل في تعميق الصلات الودية , والثقة المتبادلة , ورفع الروح المعنوية للطلاب . ومن أهم صور تطوير العلاقة بين المعلم , والطالب : مراعاة الظروف الخاصة لكل طالب , وفهم المعلم لمشاكل طلابه , وسعيه في إيجاد الحلول لها , والتعامل الطيب من قبل المعلم مع الطلاب , وإشعارهم أنهم بمثابة أبناء له ؛ فيتمثل شخصية الأب الواعي , ويتصرف معهم كما يتصرف الأب مع أبنائه , مع ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب . وكلما كان المعلم حريصا على مصلحة طلابه , كانت العلاقات الإنسانية بين الطرفين راقية . وما أجمل قول - الإمام - ابن جماعة - رحمه الله - حين قال : " إذا غاب بعض الطلبة غيابا زائدا عن العادة سأل عنه معلمه , أو قصد منزله بنفسه , فإن كان مريضا عاده , وإن كان في حاجة أعانه , وإن كان في غم خفف عليه , وإن لم يكن شئ من ذلك تودد إليه ودعا له " .

من صور الاهتمام بالعلاقات الإنسانية بين المعلم , والطالب : ترسيخ مبدأ الشورى لدى الطلاب , وهو المبدأ الذي أقره ديننا الحنيف , حيث قال الله - تعالى - : " وشاورهم في الأمر " , وقد روى أبو هريرة - رضي الله عنه - , أنه قال : " لم يكن أحد أكثر شورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وتطبيق هذا المبدأ سيرفع الروح المعنوية لدى الطلاب - بلا شك - , وسينتج لديهم استقلالية التفكير , وحرية الإرادة في اتخاذ القرارات . ثم إن خفض الجناح , وهو هدي قرآني : " واخفض جناحك للمؤمنين " , مع تطبيق سياسة الرفق , واللين , والرحمة , والكلمة الطيبة مع الطلاب , هو سبيل نحو الإصلاح , وهداية الجيل , وتربية الأبناء ؛ لأنها إكسير العمل الناجح . 

من أهم الاعتبارات التي يجب أن يأخذها المعلم في حسبانه عند تعامله مع الطالب , هو : فتح أبواب الحوار المنظم , وتنشئة أجيال تؤمن بالحوار , وتقبل بوجهة النظر الأخرى وفق كتاب الله , وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وتركز على احترام الآخر , وتحترم حقوقه ؛ من أجل بناء فكر معتدل يخدم القضايا الإنسانية المشتركة , وتقرب وجهات النظر , وتوضح المواقف , متجاوزين الوسائل التقليدية , كالتلقين , - لاسيما - وأن الحوار فريضة , وهو سنة الحياة , ومنطق التاريخ , مع التأكيد على أهمية تطوير المناهج وفق نظرة شاملة للمتغيرات الدولية , وتلبية الاحتياجات التنموية .

أيضا , فإن ضرورة التأكيد على اكتشاف الدافعية لدى الطلاب , وهي الطاقة الكامنة الداخلية لديهم حق مشروع ؛ من أجل ضمان تحصيل علمي يهيئ الطالب ؛ لمواجهة المتغيرات التي قد تحدث من حوله بطريقة واعية , ومسؤولة , وذلك عن طريق تقديم الحوافز ؛ بناء على العدل , والمساواة , والكفاءة ؛ لتنمية روح الابتكار , والإبداع لدى الطلاب - من جهة - , وخلق شعور بالأمن , والطمأنينة لديهم باستمراريتها - من جهة أخرى - . 

من جانب آخر , فإن مهارة التعامل مع الطلاب تعتبر فنا من الفنون , وهي أهم سمة لعلاقة ناجحة , وصحية بين المعلم , والطالب . فبدون القدرة على التعامل الإيجابي مع الطلاب , لن ينجح المعلم في تحقيق أهدافه , وستضعف العلاقة بينهما ؛ فالعلاقات الإنسانية تقوم على معرفة قدرات الطالب , وطاقاته وحاجاته . والمعلم الناجح , هو الذي يستطيع أن ينطلق بطلابه إلى رياض العلاقات الإنسانية بعبير الحب , والمودة ؛ فيمرر المواقف بحكمة , ويتغلب على المشاكل بحنكة ؛ لأنه يملك زمام المبادرة ؛ فتصفو - حينئذ - النفوس , وتمتلئ القلوب بالمحبة , والمودة , وتشحذ الهمم , وتوقد العزائم . ومن لم يغرز تلك المعاني في نفوس الطلاب , فإن كثيرا مما يقوله المعلم , لن يأخذ طريقه إلى القلوب .

بقي أن أقول : إن القدوة الحسنة مطلب مهم في تطوير العلاقة بين المعلم , والطالب ؛  فالقدوة تتمثل في كل جوانب السلوك - اللفظية والعملية - , كما أنها تتمثل في كل تصرفات المعلم السلوكية مع طلابه . - ولذا - روى الجاحظ , أن عتبة بن أبي سفيان حينما دفع ولده إلى المعلم , قال له : " ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك , فإن أعينهم معقودة بعينك . فالحسن عندهم ما استحسنت , والقبيح عندهم ما استقبحت " .

وبعد : فلك أخي القارئ الكريم أن تختلف مع هذه الأمشاج في قراءة المقالة , أو توافق عليه . كما أرجو ألا يكون موضوعي مشتت الرؤى , أو كلمات لا تربطها حروف الجر , والعلة , إلا أننا نتفق في أهمية الوعي نحو صناعة مستقبل واعد لطلابنا ؛ من أجل تحسين مخرجات التعليم , واستثمار طاقات طلابنا , فالإبداع ليس له حدود .

 

 [email protected]   

الأحد - 18 جمادى الآخر 1437 - 27 مارس 2016 - 12:07 مساءً
6
3894

كثيرًا ما أقف متأمّلًا في قصة الرجلين اللذين جاءا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أحدهما: يا رسول الله.. إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض في ما شئت، فقال عمر -رضي الله عنه-: لقد سترك الله لو سترت نفسك. قال: فلم يردّ النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا. فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا فدعاه، وتلا عليه هذه الآية: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين". فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله.. هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة. وفي القصة الأخرى، قال الآخر: يا رسول إني أصبت حدا فأقمه علي، فأعرض عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففي هذين الحديثين، وغيرهما كثير من الرسائل في حق من وقع في معصية أن التوبة تكفيه، وأن لا يطالب الإنسان الذي ارتكب معصية إقامة الحد عليه؛ فالاستتار بستر الله هو أدب إسلامي، ومنهج نبوي في ألا يفضح العاصي نفسه، بل يكتم معصيته، ويستر على نفسه، ولا يحدث بها أحدا؛ من أجل حفظ مجتمع المسلمين، وصيانة دينهم، وعفافهم؛ فالله حيي ستير يحب الحياء، والستر، وإن من فوائد الستر: عدم إشاعة الفاحشة في الذين امنوا؛ ولئلا يعم ذكرها في المجتمع.

يجب أن نعترف، أن جميع الناس معرضون للوقوع في الخطأ، فليس أحدا معصوما من ذلك، لما ورد في الخبر: " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ". وليست المشكلة هنا، بل المشكلة في فئة من الناس لم تكتف بفعل المعصية، بل عمدوا إلى الجهر بها، والافتخار بارتكابها. وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول يا فلان عملنا البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه". وفي لفظ مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: " كل أمتي معافاة إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد من الليل عملا ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه".

قال النووي -رحمه الله-: " يكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها، -يعني- ولو شخصًا واحدًا، بل يقلع عنها، ويندم، ويعزم ألا يعود، فإن أخبر بها شيخه الذي يعلمه، أو الذي يفتيه، أو نحوه من صديق عاقل صاحب دين - مثلا -، يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجا منها، أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه بها فهو حسن. وإنما يحرم الإجهار حيث لا مصلحة؛ لأن المفسدة -حينئذ- ستكون واقعة؛ فالكشف المذموم هو الذي يقع على وجه المجاهرة، والاستهزاء، لا على وجه المساءلة، والاستفتاء، بدليل خبر من واقع امرأته في رمضان فجاء؛ فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لكي يعلمه المخرج، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- في إنكاره ".

وهذا الذي يفعله بعض الناس من المجاهرة بالمعصية يكون له سببان، كما قاله الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله- السبب الأول: أن يكون الإنسان غافلا سليما لا يهتم بشيء، فتجده يعمل السيئة، ثم يتحدث بها عن طهارة قلب. السبب الثاني: أن يتحدث بالمعاصي تبجحا، واستهتارا بعظمة الخالق -والعياذ بالله- فيصبحون يتحدثون بالمعاصي، متبجحين بها، كأنما نالوا غنيمة، فهؤلاء -والعياذ بالله- شر الأقسام.

ويوجد من الناس من يفعل هذا مع أصحابه -يعني- أنه يتحدث به مع أصحابه، فيحدثهم بأمر خفي لا ينبغي أن يذكر لأحد؛ لكنه لا يهتم بهذا الأمر، فهذا ليس من المعافين؛ لأنه من المجاهرين. والحاصل: أنه ينبغي للإنسان أن يتستر بستر الله -عز وجل- وأن يحمد الله على العافية، وأن يتوب فيما بينه، وبين ربه من المعاصي التي قام بها، وإذا تاب إلى الله، وأناب إليه ستره الله في الدنيا، والآخرة.

إن المجاهرة بالمعصية، والمفاخرة بها أمران مترادفان، تستلزم الواحدة منها الأخرى بوجه، أو بآخر؛ فالمفاخرة بالمعصية تستلزم الإخبار بها، والمجاهرة بالمعصية تستلزم المفاخرة بها. كما أن عادة التفاخر بالمعصية، والمجاهرة بها يجعل الناس ينصتون لها، ويتشوقون إلى فعلها، فهو يدعوهم بهذا التفاخر، والمجاهرة بها إلى استحلالها، وهو دليل على عدم الخوف من الله، وقلة حياءه، وقسوة قلبه، وطغيان الغفلة على نفسه، ومن موجبات غضب الله، وسخطه، وعذابه في الدارين.

 [email protected]  

السبت - 10 جمادى الآخر 1437 - 19 مارس 2016 - 05:51 مساءً
7
2142

لا تكاد تخلو صحيفة يومية نقرؤها هذه الأيام من قضايا ابتزاز تحدث هنا , وهناك في ظل غياب الجانب التوعوي , والعقوبة الرادعة للتحرش , والابتزاز ؛ فيقرر الشاب ابتزاز الفتاة إذا رفضت استمرارها في العلاقة الآثمة عن طرق الحصول على صورها , أو تسجيل مكالماتها , أو فضحها عن طريق القرصنة على مواقع التواصل الاجتماعي , وذلك من خلال الدخول إلى جهاز الفتاة , وجلب كل ما فيه من معلومات , وصور خاصة , ونشرها على الشبكة العنكبوتية , - خصوصا - وأن الفئة العمرية للمتضررات يقعن بين ستة عشر , وتسعة وثلاثين عاما . 

قد لا أتفق مع من يقول : إن المتسبب في هذه الظاهرة هي الفتاة , وأنها السبب الأول , والرئيس ؛ للوصول إلى مرحلة الابتزاز ؛ لكنني أتفق معكم في أن تلك الظاهرة , لا يمكن أن تحدث إلا بوجود طرفين متراضيين , ومتفقين على ما يحصل , وسيحصل . فهو إذن سلوك انحرافي بكل المقاييس , يكشف عن ضعف الطرفين , - وبالتالي - فإن المسؤولية ملقاة على الجميع  .

وأذكر أن مركز البحوث , والدراسات التابع لهيئات الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , قد أجرى دراسة حول ظاهرة الابتزاز بعد تفاقمها مؤخرا , وتم رفع نتائجها إلى خادم الحرمين الشريفين - الملك - عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - , وتوصلت الدراسة التي أجريت من خلال عينات القضايا المضبوطة , إلى بشاعة بعض وقائع الابتزاز , والتي اشتملت على الإهانة بالعنف , بل والتعذيب - أحيانا - , مع التعدي على العرض , وسلب المال , والأذى الجسدي , والمعنوي . 

على أي حال , فإن الابتزاز يعتبر في المحصلة النهائية جريمة يحاسب عليها الشرع , والنظام , وتقع ضمن جرائم العرض , والآداب , وتندرج في إطار انتهاكات حقوق الإنسان . ولا مشاحة في الاصطلاح , - سواء - أطلقنا على الابتزاز وصف جريمة , أو إرهاب , أو عنف , فهو محرم شرعا , - لاسيما - وأن بعض تلك القضايا تشتمل على جرائم مركبة , - بدءا - من تهديد الفتاة بإخبار الأهل , أو الزوج , - ومرورا - بتهديدها عن طريق نشر صورها , أو تهديدها بالتسجيلات الصوتية , - وانتهاءا - باستغلالها في علاقة آثمة , وغير شرعية تسمى : بالإكراه المعنوي , وبطريقة حرمها الشرع . 

وفي تقديري , أن العقوبات المطبقة حاليا تعتبر رادعة , وتندرج تحت باب العقوبات التعزيرية , ولا تخرج عنها , كالإيقاف , والحبس , والجلد . وقد تكون العقوبة مجتمعة , وقد تكون منفردة , وكل ذلك راجع حسب تقدير القاضي ؛ فتشديد العقوبة على مرتكبي جرائم الابتزاز من قبل الجهات الأمنية , والقضائية ؛ لأجل وضع حد لمثل هذه الجرائم , هو مطلب مهم ولا شك . ولا بأس من التشهير بهؤلاء المجرمين , ونشر صورهم في وسائل الإعلام ؛ أسوة بمجرمي التزوير , والرشوة , ونحو ذلك . 

إن فتح أبواب الحوار عن طريق التواصل مع الفتيات , وعدم تعنيفهن ؛ حتى لا يقعن في مفاسد أكبر , والتبليغ عن التهديد , هو أفضل طريقة لمواجهته , وعدم الخضوع لأساليب الابتزاز . وإعطاء الفتاة الثقة في نفسها , وقدرتها على اتخاذ الإجراءات التي ينبغي أن تقوم بها , مع توقع ما يمكن أن يحدث للوصول إلى الحل المناسب . كما أن التركيز على تقوية الوازع الديني لدى الطرفين , وعدم اقتصارها على الجانب النظري دون التطبيقي , مع ضرورة إشباع الاحتياج العاطفي , والنفسي لهن ؛ حتى لا يقعن في البدائل المحرمة , مطالب مهمة . 

ولا يشك عاقل بعد ذلك , أن حملات الإثارة الغرائزية التي نشاهدها كل يوم عبر القنوات الفضائحية , - إضافة - إلى تقصير المؤسسات , والمحاضن التربوية , أسباب مهمة في شيوع جرائم الابتزاز , مما يستدعي زيادة التوعية السليمة , وتعزيز الثقافة الإسلامية , والحصانة الدينية , والفكرية , وشغل أوقات الفراغ بكل نافع , ومفيد ؛ للقضاء على تلك الظاهرة السيئة . 

  [email protected]   

السبت - 03 جمادى الآخر 1437 - 12 مارس 2016 - 12:33 صباحا ً
2
741

عندما نتحدث عن ضرورة احترام أراء الآخرين , وألا نستعدي أحدا على من يخالفنا الرأي , مادام في مجال الاجتهاد , والاستدلال بالنص الصحيح , والأخذ , والرد ؛ فسيتبادر إلى الذهن جملة من المعاني , لعل من أهمها : أن لغة استعداء الآخرين على من يخالفونك الرأي , لم تعد مقنعة في عصر الحوار , وتعدد الآراء , واختلاف الثقافات .

كتبت ذات مرة , أن هناك من يمتلك قدرة إبداعية , وسعة أفق ملفتة للنظر في الحوار , والطرح , والنقاش ؛ فتمتد المساحة أمامه لسبر أغوار الحقيقة , وبلوغ سقف الاطلاع , والرحابة في التفكير , والتعبير وفق كتاب الله , وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالفهم الصحيح .

إن التجرد للحق طريق إلى سعة الأفق , ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق سماع ما لدى الآخرين , واحترام ما عندهم من آراء , وأفكار . فبالحوار تتسع مدارك الإنسان , وقد تتباين الآراء دون أن نفتقد الود . أما الحوار مع من يتسلح بالعصمة , وأن رأيه هو الصواب , هو حوار فاشل , إذ إن العصمة تحجب صاحبها من المنهجية العلمية في التفكير . - وبالتالي - فإن التأكيد على فرص الحوار , هو أقرب إلى التحقق إن حضرت النوايا . وقديما قال عمر بن عبد العزيز : " إني وجدت لقاء الرجال تلقيحا لألبابهم " , وقال الزهري : " العلم خزائن , ومفاتيحها السؤال " , وقال أبو أيوب السختياني : " إنك لا تعرف خطأ معلمك ؛ حتى تجالس غيره " , وقال ابن خلدون : " على كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات , ورسوخها " . 

ثم ما أجمل أن نتنبه إلى مبدأ : " قولي صواب لا يحتمل الخطأ , وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب " , ولنا في قصة الإمام إسحاق بن راهويه , الذي التقى بالإمام الشافعي في مكة لعظة , حين تناظرا حول مسائل عديدة , فرجع الشافعي إلى قول إسحاق في بعض المسائل , كما رجع إسحاق إلى قول الشافعي في مسائل أخرى .

إن من أبرز أسباب ضيق الأفق : الجهل , فهو داء عضال , إذ لا يستطيع الجاهل - حينئذ - قراءة الواقع . وقريب منه , قلة الفهم : حيث لا يصل إلى فهم معاني الأمور , ومقاصده . وهو ما عبّر عنه الإمام ابن القيم , بقوله : " رب شخص يفهم من النص حكما , أو حكمين , ويفهم منه الآخر مائة , أو مائتين " . 

إن ضيق الأفق يؤدي إلى الاشتغال بالجدل العقيم بدل العميق , وبسوء الظن عن حسن الظن .  ولن نكون مستعدين مطلقا لتقبل أراء الغير المخالفة لآرائنا ؛ لأن تلك الآراء لا تستحق النظر إليها , أو الاستماع لها . أما سعة الأفق فتؤدي إلى تقبل فكر الآخر , وعدم التحفظ على فكرة واحدة , رغم كثرة امتزاج الثقافات , وتلونها , وكثرة المتغيرات , والمعطيات . 

ومما يسد منافذ التفكير- أيضا - : التقليد الأعمى , - خصوصا - عندما تكون دوافعه العصبية , أو المذهبية , أو الطائفية . فهو يحمل في داخله آثار ماحقة للكيان الإنساني , - إضافة - إلى عبثية العقل , والتفكير ؛ فتصدر الأحكام - حينئذ - من غير علم , ولا وعي ؛ فتضيع الحقيقة . الأمر الذي يتطلب إلى ضرورة تأسيس عمق منهجية التفكير , كونه أمرا مطلوبا , إذ لا عصمة لأحد , بل هو الاجتهاد بما يحمل من إصابة , أو خطأ . 

كم أسفنا على زمان مضى , ومللنا من ضيق العطن ؛ لأن ما فات قد ضاع , وما لم يدرك لا يرجع ؛ بسبب ضعف التجربة . فالتجربة أساس اتساع الأفق , وبعد النظر , وملازمة أصحابها سمة من سمات التصرف الواسع , والرؤية البعيدة في فهم الحقائق فهما سليما ؛ حتى ولو بلغنا من السن عتيا , وحملنا مؤهلات علمية من هنا , وهناك . فجميل أن نتقبل أراء الآخرين بكل رحابة صدر , ولا نجبرهم على الإذعان لآرائنا . 

السبت - 25 جمادى الأول 1437 - 05 مارس 2016 - 11:01 مساءً
7
1530

كلما رسخت أقدام المرء في العلم اتسع أفقه , واستنارت بصيرته , بأن العصمة لا تكون لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - . بل ليس أحد من العلماء المجتهدين معصوم ؛ فكل يؤخذ من قوله , ويرد , إلا محمد - صلى الله عليه وسلم , - وبالتالي – لا يمكن لأحد أن يمتلك الحقيقة المطلقة , أو يصف رأيه بأنه الأصوب , أو يتعصب لرأي من شأنه مراجعة اجتهاداته ، وتأملها في ميزان الخطاب الشرعي، والعمل بها دون إفراغها من بريقها، والتأكيد على شحنها بحمولاتها الدلالية التي تكتنز فيها ، بعيداً عن المراوغة ، والحواجز , والدعاوي التي يمارسها أصحابها .

ذكرتني تلك العبارة برحابة الإسلام , الذي عرف أنواعا شتى من التعددية الفقهية , والمذهبية ؛ حتى أن علماء الإسلام قاطبة ينطلقون من مبدأ : " كل يؤخذ من قوله , ويرد " , إذا كان مما يسوغ فيه الخلاف من مسائل الاجتهاد , ومطارح الآراء , إلا صاحب هذا القبر- صلى الله عليه وسلم - . - ولذا - قيل : " خلاف العلماء رحمة " , فالخلاف باق إلى أن يرث الله الأرض , ومن عليها , ولا يجب علينا أن نتأذى به , ولا أن نعجز عن التكيف معه . فكل العلماء أقروا أن اجتهادهم هو محل نظر , يؤخذ منه , ويترك , ومن ذلك عبارة - الإمام - الشافعي - رحمه الله -المشهورة : " قولي صواب يحتمل الخطأ , وقول غيري خطأ يحتمل الصواب " , فهو قد يختار في المسألة الفقهية , ما هو راجح عنده بالدليل , فإذا اتضح بعد ذلك رجحان دليل مخالفه أخذ برأيه , وهذا المنهج من اتباعه للدليل , فلا يحتكر الحقيقة لنفسه , بل يعلنها مدوية عن عدم انتصاره للذات , واحترامه الكبير لجميع من خالفوه , وهذا السلوك يعتبر غاية في الرقي , والتحضر . ولقد كان - رحمه الله - يقول : " ما ناظرت أحدا إلا وددت أن الله - تعالى - أجرى الحق على لسانه " . وكل من الأئمة الأربعة ورد عنهم أنهم قالوا : " إذا خالف قولي الحديث , فاضربوا به عرض الحائط  " , فالخلاف في الأمة سائغ , ومحمود في الفروع .

وإذا كان الاجتهاد هو السبيل لمعرفة حكم الله , وأوامره , واستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من مصادرها المقررة للانضباط بها , ولمعرفة أحكام الحياة - كلها - , والنظر في القضايا المستجدة , فإن كل العلماء أقروا : أن اجتهادهم محل نظر يؤخذ منه , ويترك , فمن أصاب فله أجران , ومن أخطأ فله أجر واحد . وقد روت لنا السنة قصة الرجلين في سفر , حين حضرت الصلاة , وليس معهما ماء , فتيمما صعيدا طيبا , ثم وجدا الماء في الوقت , فأعاد أحدهما الصلاة , والوضوء , ولم يعد الآخر , فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا له ذلك , فقال للذي لم يعد : " أصبت السنة , وأجزأتك الصلاة " , وقال للذي توضأ , وأعاد : " لك الأجر مرتين " . فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ما عاب على الرجلين اختلافهما في الاجتهاد في المسألة , بل شجعهما عليه ؛ من أجل الوصول إلى الصواب , وهذا يدل على حرية الفكر في الإسلام , وتشجيعه على الاجتهاد .

أكتب ما تقدم لأقارنه بما رأيته في إحدى القنوات الفضائية من حوار- قبل أيام - , إذ كان أحد ضيوف البرنامج ينتمي إلى السلك القضائي , فأبى إلا أن يسحب عبائته القضائية من قاعة المحكمة إلى داخل الاستديو , معبرا عن فرط ثقته بنفسه , وشعوره بالصوابية المطلقة , وأن الخطأ أبعد عنه من زحل , فتراه يرفع صوته - تارة - , - وتارة - يقاطع ضيوفه , - وأخرى - يمارس دور المقدم بطرح أسئلة استفزازية على ضيوف البرنامج ,  مع أن الحوار - في نهاية المطاف - هو السبيل لفهم الآخر ؛ فالإيضاح يسبق الفهم , والفهم يسبق الإدراك , والإدراك يتبعه التغيير , ولا يجب أن ننتهي في كل أمر إلى نهاية واحدة .

إن التعددية سنة الحياة , ومن شروط البقاء : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين " . فالاختلاف جبلة بشرية , وهو الأصل ؛ لأنه يؤسس للاجتهاد في الرأي دون العصمة لأحد , وهو مصدر ثراء , ومنبع سرور أي ثقافة . وليكن منطقنا عند البدء في الحوار , هو البحث عن الحق لاتباعه , وذلك من خلال البحث عن المساحة المشتركة مع الآخر , قبل القفز إلى المختلف فيه , واستعجال الخلاف ؛ فالحق ضالة المؤمن , أنى وجده فهو أحق به . ثم إن العبرة بالدليل العاضد , والقرائن المؤيدة للرأي . وأكثر الناس تعصبا لأرائهم هم أقلهم حكمة , وتعقلا , - ولذا - تراهم يحجبون عن قبول النقد , أو القبول بمبدأ الحوار .

[email protected]   

السبت - 18 جمادى الأول 1437 - 27 فبراير 2016 - 09:18 صباحا ً
20
2211

عمل المرأة في مجال الحسبة هو إحدى الأطروحات الهامة التي تناقَش بين أفراد شرائح المجتمع؛ فهو يعالج كثيرًا من المواقف التي تتطلب وجودها حفاظًا على خصوصية المرأة؛ فهي أعلم من الرجل بما يخص قضايا المرأة، سواء من ناحية البيان أو من ناحية ممارسة تلك الشعيرة إذا اقتضى الأمر ذلك، كالمدافعة وتصحيح الأخطاء التي تقع.

إن تأكيد عمل المرأة في مجال الحسبة أصبح مطلبًا مهمًّا، تستدعيه الشريعة الإسلامية، وفقه الواقع، وتحكمه قاعدة “المصالح والمفاسد“؛ من أجل التوازن بين الجنسين، دون إغفال لدور أي منهما؛ فبتوظيفها في هذا الميدان، سنضمن دخول عناصر جديدة، وسنحسن نوعية الخدمة المقدمة لمن يحتاجها، متى عززنا جهود المحتسبات بالتأصيل، والتدريب، والتطوير. وستكون مساحات التطبيق واسعة جدًّا، باعتبار أن وجودهن سيسد النقص في الوصول إلى تلك الشرائح في المجمعات التجارية، أو في أروقة الجامعات، والمدارس، أو في صالونات التجميل، أو غيرها من الأماكن العامة؛ فالإسلام لم يكن ليقتصر على تكليف الرجل فقط بالحسبة، بل المرأة في التكليف سواء؛ حتى تتزن المفاهيم، وتستقيم الموازين الاجتماعية.

أدرك جيدًا أن في المسألة خلافًا بين أهل العلم وطلبته، والخلاف فيها سائغ -بلا شك- إذ إن من طبيعة البشر الاختلاف؛ لتفاوتفهم في العلم والفهم. ومحاولة جمع البشر على قول واحد ورأي واحد، ووضعهم في قالب واحد، خلاف لسنة الله -جلّ في علاه- إلا أن مفهوم عمل المرأة الاحتسابي الميداني، سيدعمه العمل الاحتسابي المكتبي، وهو قائم على حماية جناب الشريعة، وتحقيق الأمن المتعلق بالضرورات الخمس. وعندما نطور وسائل الاحتساب وأساليبه وننوعها من خلال فهم فقه الاحتساب وضوابطه وأحكامه؛ سندرك تمامًا أن من ميزة الاختلاف في المسألة، أنه ولّد حافزًا للتفكير، ومساحة للنقاش، باعتبار أن عمل المرأة في قطاع الأمر بالمعروف سيكون في مجال النصح والتوعية، وإعطاء جرعات تحصينية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مثلها، وليس كما يترجمه البعض أنها ستخرج إلى الشارع وتؤدي أعمال رجل الهيئة نفسها.

حسنًا، تشير الإحصاءات إلى أن عدد طالبات الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، اللاتي يدرسن في تخصص الدعوة والحسبة، بلغ  “400“ طالبة، إضافة إلى  “50“ طالبة يدرسن في مرحلة الدكتوراه؛ ما يدل على أن أهم ما تعانيه خريجة الجامعة اليوم، قلة الفرص الوظيفية المتاحة لها في القطاعين العام والخاص؛ لأن تخصصها غير مرغوب فيه، أو غير مطلوب في سوق العمل. وهو ما يجرّنا إلى الحديث عن مدى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. ومن ذلك على سبيل المثال، عمل المرأة في مجال الاحتساب على مثلها.

هذه الأرقام تؤكد أهمية استشعار أزمة البطالة عند المرأة السعودية، وهو ما يستوجب استحداث قرارات فاعلة تسهم في حل تلك الإشكالية على المدى الطويل؛ وذلك بخلق عدد كبير من الوظائف.

من جانب آخر، فإن فتح آفاق جديدة لحل مشكلة البطالة بين النساء، يضمن حق المرأة في الحصول على بيئة عمل مرنة وآمنة، وفق ما تسمح به نظم الشريعة الإسلامية، لا سيما ونحن نلحظ زيادة في أعداد الخريجات سنويًّا، فأصبح مطلبًا مهمًّا، وحقًّا مشروعًا؛ من أجل القضاء على البطالة، وتفعيل دور المرأة في التنمية الوطنية بكل إيجابية.

مرة أخرى، سأصوغ القضية المطروحة على شكل سؤال منطقي يحمل إجابته في ثناياه؛ هو: هل سنعترف بأهمية عمل المرأة السعودية في دائرة الاحتساب؟ فالحاجة ملحّة، والأرقام عالية، والعمل في أيامنا هذه لم يعد مجرد رفاهية، أو قضاء أوقات الفراغ، بل إسهامًا في ممارسة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ الأمر الذي سيسهل التعامل مع النساء من جهة. ومن جهة أخرى، تحمل بعض الأعباء، في ظل ظروف ارتفاع كلفة المعيشة، وتوفير الحياة الكريمة.

[email protected]

 

السبت - 11 جمادى الأول 1437 - 20 فبراير 2016 - 12:58 مساءً
15
2088

إن القراءة المنصفة لخطاب الهيئة الإعلامي -في الماضي- كان حذرًا، ومتحفظًا، ودائمًا ما كانت في زاوية المدافع. أما اليوم، فإن الهيئة تشهد الانفتاح، والتواصل مع وسائل الإعلام، وبناء علاقة إيجابية مع الجمهور.

وللحق، فإن كل الإجراءات الضرورية التي اتخذت -في السنوات السابقة- لتحسين صورة الهيئة، والارتقاء بأسلوب تعامل موظفي الهيئة، ورجالها الميدانيين مع المخطئين، تدل على أن القائمين على هذا الجهاز، كانوا مهمومين ببناء علاقة جديدة، قائمة على احترام بين المجتمع، والهيئة، مما يدل على أن منهجًا قديمًا، لم يعد يوافق زماننا خرج، ودخل منهج جديد يقوم على الإصلاح، والشفافية، والتصاريح، والسماع أكثر من المواطنين، والتفاعل معهم.

وإذا كان ثمة نصيحة أقدمها في هذا الباب لمعالي الرئيس العام الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله السند، فهي ضرورة التأكيد على عدم المواجهة الإعلامية، خصوصا مع الصحف الكبرى، فمثل هذه السياسة ستـُجيّش الصحيفة ومراسليها، للبحث والتنقيب عن أخطاء أفراد الهيئة كردة فعل بشرية متوقعة، وسيـُشوّش هذا على أداء منسوبي الهيئة الذين عملهم في الأساس، هو الميدان، وليس مطالعة الصحف يوميا، للبحث عن الضحية الجديدة منهم.

معالي الرئيس: إن مد جسور التعاون، والتواصل الإيجابي مع الصحف المحلية، ووسائل الإعلام بمختلف قنواتها، وترسيخ الرسالة الإعلامية للهيئة حول القصور الوظيفي، إن وجد، وقبول النقد البناء، سيساعد -بلا شك- في تفعيل الرقابة على أعمال الهيئة، ومعرفة أوجه القصور، وبالتالي مناقشته، ومعالجته، وإزالة أسبابه.

إن هيئة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحاجة إلى نيل ثقة الرأي العام، كونها قريبة منهم، ومعنية بقضاياهم. ولن تستطيع تفعيل التواصل معهم، إلا من خلال بناء علاقة تكاملية مع وسائل الإعلام، باعتبارها سلطة رابعة، وشريكة في قضايا الإصلاح. وعلى هذا، فإن علاقة الهيئة مع وسائل الإعلام، تعتبر ضرورية. وهي تصب -في نهاية المطاف- في مصلحة الرأي العام؛ لأن العلاقة بين الطرفين قائمة على احتياج كل منهما للآخر؛ من أجل ضمان حرية التعبير الهادف، وفتح المجال أمام النقد البناء، وممارسة دوره كركيزة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية.

من جانب آخر، فإن جهازي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإعلام، كلاهما له دوره المكمل للآخر في إصلاح المجتمع. والتفاعل بينهما إيجابًا، باعتباره جزءًا من الشراكة في إيصال رسالة واضحة؛ لخدمة المجتمع، وردم الهوّة، وتقريب وجهات النظر، وفق آلية علمية محايدة، تتمثل في شد أزر الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، ونشر فضائلهم، وتقريب جهودهم، والعمل على نشر شعيرة الاحتساب ضمن المنظومة الرسمية؛ ليكون الجميع مصدر أمن، واستقرار.

[email protected]

الأحد - 28 ربيع الآخر 1437 - 07 فبراير 2016 - 04:54 مساءً
17
3180

لا يمكن أبدًا أن نقول إن الهيئة جهاز كامل، كما لا يمكن أن يقال إن الهيئة جهاز ليس به أخطاء، لكن الموقف الصحيح، هو محاسبة أجهزة الدولة، وتبصيرها بما يتبين من أخطاء، ومنها جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع ضرورة الوقوف ضد من يختط سياسة التشهير، دون نظرة موضوعية، أو منهجية علمية، التي قد ينتهجها البعض في تعامله مع الأخطاء الصادرة من عناصر جهاز الهيئة، أو تعمد تكبير وتضخيم هذه الأخطاء، في خطوة مجافية للموضوعية والعدل الذي أُمرنا بقول الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ .

ويستحسن أن أشير في هذا الباب إلى دراسة أنجزها معهد البحوث والخدمات الاستشارية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حول المشكلات الميدانية. وهي دراسة ميدانية تقويمية لمشكلات العمل في مراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أعدها فريق علمي تحت إشراف المعهد لصالح مركز البحوث والدراسات في الدراسة العامة للهيئة، وشملت "3 آلاف و409 أبحاث. وقد أشارت هذه الدراسة إلى أن معظم المشكلات الميدانية، كانت بسبب تأثر البعض بما يكتب عن الهيئة، بالإضافة إلى تشدد بعض الأعضاء الميدانيين، كما بينت هذه الدراسة نتائج مشرقة، لكن ما يهمني في موضوع محاسبة رجال الحسبة، الإشارة إلى نتائج القضايا، والشكاوى الواردة في الدراسة المشار إليها، وهي:

أ‌- التجاوزات التي حصلت من رجال الهيئة تمثلت في الآتي:

1- مخالفة نظام الهيئة والتعليمات الصريحة في العمل الميداني للعضو.

2-  الاعتداء بالضرب.

3- الاعتداء بالتلفظ النابي.

4- رفع حدة التوتر أثناء وقوع المخالفة.

5- عدم التحقق من صحة البلاغ.

6- المداهمة بدون إذن.

7- التسرع والعجلة وعدم أخذ الأمور بروية.

ب- يلاحظ أن جهاز الهيئة صارم في مواجهة هذه التجاوزات رغم قلتها؛ حيث إن الإحالة إلى المحكمة سجل المعدل الأعلى من بين الإجراءات المتخذة، وكذا الإجراءات الأخرى من لفت للنظر، وتنبيه، ونقل للعضو، وإحالة إلى هيئة الرقابة والتحقيق. وفي المقابل، يلاحظ كثرة الشكاوى الكيدية، وتبرئة الأعضاء بعد التحقق من الشكاوى.

على أي حال، فما أعلمه أن داخل جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهات تحقيق من أجل المساءلة، وإن كان الخطأ غير مقصود. ولا شك أن جهازًا يتعامل على أرض الواقع، ومع شريحة كبيرة من شرائح المجتمع، ويضم كثيرًا من الموظفين المنتسبين إليه، فإن افتراض حتمية وقوع أخطاء من بعضهم أمر وارد؛ فهم في نهاية المطاف بشر معرضون للصواب كما أنهم معرضون للخطأ؛ فإن لم يقتنع صاحب الحق بنتائج تلك الإجراءات، فلا يُمكن منعه من مواصلة تظلمه للجهات القضائية.

من جانب آخر، فإن دعم الهيئة لأداء رسالتها، اتساقًا مع قيمة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكونها أحد مبادئ النظام الأساسي للحكم، مطلب مهم؛ من أجل تحقيق الأمن العقدي، والأمن الفكري، والأمن الأخلاقي، وحفظ البنية القيمية للوطن والمواطن، وتعزيز الجهود الوقائية والنوعية في حفظ ثوابت الأمة، والقيم الإسلامية العليا.

 

 

الأحد - 21 ربيع الآخر 1437 - 31 يناير 2016 - 12:04 مساءً
4
1119

يأتي الإصلاح الديني في مقدمة كل إصلاح ؛ لتحقيق الوعد الإلهي بالبقاء والتمكين . فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان وضمير مجتمع، ومرآته الصافية، وبدونها ستغرق سفينة الإصلاح . وتأمل معني كلام - سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- حين قال ذات مرة: "إن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، موضوع عظيم جدير بالعناية ؛ لأن فيه تحقيق مصلحة الأمة، ونجاتها، وفي إهماله الخطر العظيم، والفساد الكبير، واختفاء الفضائل، وظهور الرذائل " . فخيرية هذه الأمة، واستمرار نصرتها في الدنيا، وفلاحها في الآخرة، هو قيامها بهذه الشعيرة .

قد تتغير وسائل الضبط للسلوك، والتوجيه، وتنمية الأنماط الإيجابية، ومعالجة الأنماط السلبية ؛ لكن دون أن يتغير المنطلق، باعتبار دورها التكاملي في المجتمع، وتكوينه . فإرشاد الناس، وتوجيههم لفعل الخيرات، واجتناب المنكرات، من حيث كونه ركنا أساسا من أركان هذه الشعيرة العظيمة، سيحقق - بلا شك - الأمن الشامل، والاستقرار، وذلك من خلال الإجراءات الوقائية لمنع الجريمة، وإجراءات مكافحتها، والتدابير التي تتخذ لمنع الجريمة .

إن تعزيز دور رجال الهيئات في المجتمع، وتأهيلهم فنيًّا، حق مشروع . ومن ذلك على سبيل المثال : الحرص على توظيف التقنيات الحديثة في التغير الاجتماعي الإيجابي، عبر تفعيل شبكات التواصل الاجتماعي؛ مراعاة للتغييرات الثقافية، والفكرية، والاجتماعية المتسارعة، بعد أن وضعتنا مع هذا التحدي الكبير بجاذبيته، وخطورته -في الوقت نفسه- إذ لا نستطيع أن نغفل الكمّ الكبير من الآثار السلبية لمستخدمي تلك المواقع، سواء على المستوى النفسي، والفيزيولوجي، والاجتماعي، والتربوي، خصوصًا بعد أن اجتاحت تلك المواقع حياة كل بيت، دون استثناء. ولعل من أهم تلك الآثار : انعدام الخصوصية، وما ترتب عليه من أضرار نفسية، ومعنوية، ومادية . والزج بهم نحو العزلة الاجتماعية، سواء عن واقعهم الأسري، أو عن محيطهم الذي يعيشون فيه، إضافة إلى هدر الوقت دون فائدة تُجنى، بل إن النتائج السلبية على سلوك، وأخلاقيات كثير من الشباب لا يجادل فيها عاقل، كإقامة صداقات من الجنسين، وقد تتطور هذه الصداقة إلى علاقة مشبوهة، تتخطى -من خلالها- الحدود الشرعية، والضوابط الاجتماعية .

كما أن العمل على رسم العلاقة الإيجابية المتأصلة بين الهيئة، والمجتمع، أصبح مطلبًا مهمًّا . فالهيئة لا تعمل باجتهادات ذاتية، وإنما بنظام يخضع للتطوير، والتحديث، شأنها في ذلك شأن كل جهاز من أجهزة الدولة، تتعامل مع معطيات العصر ؛ من أجل الرقي في الأداء، دون التفريط في مهمتها الأساسية - العقائدية والأخلاقية.

معالي الرئيس: إن القيم، والأخلاق، هما حجر الزاوية في تكوين هويّة الأمم؛ ولأن الهيئة تندرج ضمن مؤسسات الدولة العامة، وعملها يحتّم عليها القيام بممارسة الدور الرقابي، والأمني -في آن واحد- فإن إخراجها إلى الدور المدني بلغة منفتحة، ووفق ضوابط علمية، وعملية ممنهجة، سيخلق تعاونًا مثمرًا، وسيخدم الهدف الأسمى في تحقيق شعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على أرض الواقع، فهل نحن فاعلون؟.

[email protected]