د. عواد علي الوثيري
عدد الآراء :11
السبت - 19 جمادى الآخر 1438 - 18 مارس 2017 - 07:58 مساءً
0
1107

لم يتوان شراح القانون المقارن في رسم الخواتيم الفاصلة بين مسؤولية الجهات الإدارية عن أخطائها تجاه الغير، وبين الخطأ الشخصي الذي يسأل عنه الموظف الحكومي نفسه، إذ يذهب الفقه الإداري في القول؛ أن كل فعل مضر يصدر عن الموظف بسوء نية، أو يكون حدوثه خارج نطاق المرفق العام، يعد خطأ شخصيًا يلتزم الموظف تعويض المضرور عنه من ماله الخاص، أما بالنسبة للخطأ المصلحي أو الخطأ المرفقي؛ فينسب للإدارة مسؤولية أخطاء منسوبيها فيما يخص الأعمال والأفعال الإدارية الصادرة عنها.

وتبرز الأهمية العملية لهذه التفرقة؛ في ظل ما تشهده ساحة الخدمات الحكومية، والمرافق الإدارية، من مسلك لا يخلص منه إلا عدم الاستقرار في أساليب إدارة العمل من قبل بعض القطاعات، بل يزيد من أهمية ذلك؛ ما قد يرافق تأدية المرفق العام من اعتداء على حق أو مصلحة شرعية يحميها القانون.

ومن المستقر عليه فقهًا وقضاءً؛ أن الجهة الإدارية مسؤولة عن الخطأ إذا ما تمكن المدعي من إثبات وقوعه فعلًا، إلا أن مسؤولية الإدارة لا تكون مفترضة بل يلزم على من يدعي ذلك إثباته، وفي ظل التعقيدات القانونية؛ يحدث تشابك في تشطير العلاقة بين جهة الإدارة وبين الضرر، وتحديد نوع الخطأ الموجب للتعويض، فإن دعوى الضرر تكون محكومة قضائيًا بإقامة الدليل على توافر أركان المسؤولية وفقًا لمفهومها في القانون المدني، وذلك من حيث وقوع الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، وقد قضت تشريعات الدولة لإخضاع جهة الإدارة للقضاء الإداري في شأن دعاوى جبر الضرر التي تصيب الأشخاص جراء عمل الإدارة أو نتيجة خطأها.

فالخطأ الإداري المصلحي قد يكون خطأ مرفقيا فرديا وينسب لجهة الإدارة؛ حيث يرتكبه موظف حكومي أو أحد الملتزمين مع جهة الإدارة، على أنه يجب أن يكون حدوثه في نطاق المرفق، وغير منفصل عنه، وأساس هذه المسؤولية تعود إلى قاعدة التابع مسؤول عن أعمال تابعيه وهذا الخطأ تسأل عنه الإدارة باعتباره خطأً مصلحيًا فرديًا، وقد يكون الخطأ الإداري من قبيل الخطأ المرفقي الجماعي وهو ما يكون يحدث نتيجة إخلال المرفق العام بالتزاماته.

وفي الاختصاص القضائي، تكون دعوى التعويض عن الخطأ المصلحي من اختصاص القضاء الاداري، بينما تقتصر ولاية القضاء العام علي نظر دعوى التعويض عن الخطأ الشخصي .

 

الاثنين - 23 جمادى الأول 1438 - 20 فبراير 2017 - 04:28 مساءً
2
1209

تضم العديد من التشريعات أحكامًا تنظم ما يعرف بالشركات عابرة الحدود (Offshore Companies)، وتم إقرار هذا النوع من الشركات لاعتبارات تتعلق بنوع النشاط أو شخصية الشركاء، فقد يلجاْ المستثمرون لتأسيس شركة في دولة، بينما تمارس الشركة نشاطها في إقليم دولة أخرى. وفي المقابل؛ فإن شرعية هذا الشكل من الشركات يُستمد من رغبة الدول في خلق مجال اقتصادي رحب يستقطب رؤوس الأموال، ويتيح لها حرية الحركة عبر الحدود، إضافة إلى أنه يحقق للشركة اكتساب جنسية دولة المقر والاستفادة من مزاياها التشريعية.

من خلال هذه الشركة؛ يتحقق للشركاء ملاذات ضريبية ملائمة، ومن ذاك؛ أن القانون في بعض الولايات الأمريكية، يعفي الشركة من ضريبة الدخل، والازدواج الضريبي، بحيث يفصل بين ضريبة دخل الشركة والضريبة على الملاك أو المساهمين، في مقابل فرض رسوم سنوية وفقًا لشروط القانون.

إلا أن هناك تشريعات أحدثت جدلًا بعدم التفريق بين هذا النوع من الشركات والأنواع الأخرى المصرح بتأسيسها في إقليم الدولة، وقد يكون مرجعا ذلك الخلط لأسباب تتعلق بالصياغة القانونية لنصوص النظام، أو لأسباب تعود لحداثة التجربة وتطبيقاتها، مما قد ينسحب في أثره على عدم استقرار نشاط الشركة ومركزها القانوني.

ولم يكن نظام الشركات  السعودي- الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٣) بتاريخ ٢٨/١/١٤٣٧هـ- بمنأى عن حالة الارتباك هذه؛ حيث أسهم في خلق تردد مماثل لما هو موجود في بعض التشريعات الدولية الأخرى؛ حيث نصت الفقرة (ب) من المادة (194) في باب الشركات الأجنبية على أن " الشركات التي تتخذ من المملكة مقرًا لتمثيل أعمال تقوم بها خارجها، أو توجيهها، أو تنسيقها"، ومن النص ينصرف المعنى للقول بإلحاق هذا النوع من شركات (Offshore Companies) بالشركات الأجنبية التي تختلف عنها من حيث المركز والخصائص.

لذا؛ فإن المشرع السعودي لم يوفق في استعمال التعبير الملائم بتلك الصياغة، وقد يكون أحدث حالة من الارتباك في عدم التمييز الدقيق بين المراكز والكيانات القانونية للشركات التي يتم تسجيلها بالمملكة، والتي تتخذ فقط من المملكة مقرًا لها بينما تمارس نشاطها خارج الحدود، ولا مضنة من أن الغموض لا يستجلب حالة الجدل في مسألة التطبيقات للنص، وتعريض النص للنقد من قبل شراح القانون، عليه؛ يكون من الحسن على المشرِّع السعودي أن يتصدى بنفسه لتجلية هذا اللبس.

الأربعاء - 11 جمادى الأول 1438 - 08 فبراير 2017 - 03:55 مساءً
2
2808

في الفترة الماضية، تأسس في الغرب خطاب نمطي، قوامه جملة من المشاعر والأفكار المعادية للإسلام والمسلمين. ويُلحَظ أن هذا الخطاب النمطي سببه نشاط عدائي تقوم به فئات مناوئة للوجود المتزايد للمهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي ظل تزايد مشاعر الكراهية، نما في دوائر الإعلام الغربي استخدام مصطلح (الإسلاموفوبيا)

وحسب مقال منشور حول هذا الموضوع (http://www.insted.co.uk/anti-muslim-racism.pdf)، يتبين أن مصطلح (الإسلاموفوبيا) ظهر لأول مرة في كتاب تم نشره في باريس عام 1910م، تلاه الاستخدام الأول للمصطلح في اللغة الإنجليزية من قبل المفكر الفلسطيني إدورد في مقاله الاستشراق عام 1985، ثم أعادت استخدام هذا المصطلح في عام 1997م لجنة بريطانية تدعى (رنيميد ترست)؛ حيث تم نحت هذا المصطلح من كلمتين هما: "الخوف المرضي"، و"الدين الإسلامي". وفي الأصل فإن المصلح قد ينعى منه إدانة مشاعر الكراهية والخوف، وكذلك الحكم المسبق الموجه ضد الإسلام أو المسلمين.

وفي المقابل، فإن ظاهرة الإسلاموفوبيا ليست أحادية السبب، بل إنها متعددة من ناحية التكوين والأسباب؛ فالتراكم التاريخي لوقائع الصراع بين الغرب والمسلمين يعد عنصرًا رئيسًا في تكوين هذه الظاهرة، إضافة إلى نمو الجهل الغربي المتزايد حيال ماهية "الإسلامي"، والواقع المأزوم للأمة، وعجز المجتمعات الإسلامية عن صيانة هويتها من التشويه، وكذلك افتقار العالم الإسلامي إلى أدنى مقومات التميز النهضوي مقارنةً بشعوب العالم الأخرى.. كله ساهم في تكوين صورة ذهنية مضللة انحازت إلى وسم الإسلام والمسلمين بالإرهاب والتعصب وعدم التسامح مع غير المسلمين.

ومع ترسيخ وسائل الإعلام الغربي هذه الصورة النمطية، بإنتاجها مواد إعلامية ضخمة لا مثيل لها عبر التاريخ البشري، هدفها شيطنة الإسلام وأهله؛ ساعدت على تعقيد عناصر هذه الظاهرة وتشعب أبعادها.

وبلا شك، فإن الإسلام دين هداية ومنهج حياة؛ إذ إنه أحتضن في موروثه قيمًا حضارية فريدة، من حيث قوامها وشموليتها، كما أنه أستوعب مختلف صنوف الثقافة الروحية والمعرفية عبر تاريخه؛ لذا فإنه ليس من الحكمة الركون إلى عدم التصدي لهذه الحملات الإعلامية المتنامية، بل من الحكمة استحضار أهمية الوعي المعلوماتي، والعمل على تكريس الإمكانات والجهود لوضع استراتيجية شاملة لتحسين صورة الإسلام والذب عن جانبه، على أن يتم إسناد المهمة إلى أهل الاختصاص؛ كلٌّ في مجاله، لتقديم الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة على امتداد حدود المعمورة.

الجمعة - 29 ربيع الآخر 1438 - 27 يناير 2017 - 02:53 مساءً
3
1428

شهدت الساحة القانونية في الأيام الماضية سجالا واسعًا ارتفع معه سقف الجدل في مواجهة قرار القضاء في قضايا منظورة أمامه بين مدافعٍ عنها وبين منتقدٍ لها، وفي حضرت هذا السجال وثبت فئة غير محدودة من المجتمع لتحتل مقاعدها في ثنايا المركب العابر، ولما أنه شاء للمسألة أن تتخذ مكانًا لها في بوتقة الرأي العام؛ فإنه من المناسب استعراض بعض واجبات المحامي الشخصية والمهنية في هذا المقال.

فمن المعلوم أن المحاماة قديمة قدم الحضارة الإنسانية، وقد نشأت برسالة ذات أبعاد سامية في دفع الظلم واسترجاع الحق وسيادة القانون، لذا نجد أن لمهنة المحاماة أعرافًا عامة استقرت عليها، يتوارثها المحامون خلفًا عن سلف، وأصبحت بعض هذه الأعراف مدونة في متون القوانين المنظمة للمهنة، وبعضها الآخر أصبح في حكم الالتزام الأدبي والأخلاقي بين الممارسين.

ولما أن للمهنة طابعها العالمي؛ فلا يسوغ لنا أن نكون بمنأى عن التحلي بالقيم المثلى للمحاماة، استجابة لمتطلبات المهنة، ومواكبة لتطورها، وصيانة  للنظام العام، واحترامًا للحق، لذا فإن القيم الراسخة في أخلاقيات المهنة فرضت على المحامي التجرد، والنزاهة، والكرامة، والتقيد بالسلوك المهني، وبذل الجهد والعناية القانونية، إضافةً إلى الالتزام بالأخلاق الحميدة.

وقد نُقل عن الزعيم المصري سعد زغلول قوله: "يتوهم البعض أن البراعة في المحاماة تكون بالقدرة على قلب الوقائع، وتمويه الحقائق، ولبس الحق بالباطل"، ويتضح أن الصدق وشرف الخصومة تُعتبر من أركان وأصول المحاماة ومن أسباب النجاح فيها.

وبما أن المحامي شريك في سيادة القانون، وباعتباره يمثل صوت النزاهة والعدالة، فيجب عليه احترام وظيفة العدالة التي يؤديها القضاة في المجتمع، والحفاظ على كرامة وهيبة القضاء، فيحب عليه أن يمتنع عن التعابير غير المستساغة، وكل ما من شأنه المساس بالعدالة، والتقيد بما يمليه واجب الاحترام المتبادل بين القضاة والمحاماة.

وفي ظل حداثة المهنة في البلد، ووجود فراغ تشريعي من ناحية أخلاقيات المهنة، فقد طفا على السطح ممارسات مخجلة وغير مسئولة من بعض الممارسين، نتج عنها استهواء بعض المتطفلين والمتاجرين الماديين للمهنة، فلم يعد مستغربًا أن تجد باغي شهرة ممسكًا بخطام مهنة، وأن يجد الجشع مرتعًا له في فياضها، ومع وجود هذه الظواهر المشينة؛ وجب على المعنيين بالمهنة إعادتها لمسارها السليم باعتبارها مهنة ذات رسالة شريفة صانعة للعدالة وذلك سلامة للمهنة ولوظيفتها داخل المجتمع.

الجمعة - 17 ربيع الأول 1438 - 16 ديسمبر 2016 - 02:16 مساءً
6
5859

من المسلَّم به أن مفهوم حرية نهج السوق، يجب أن يقابله مبدأ حماية المستهلك، كونه من الواجب قانونًا على الدولة أن تكفل حق المستهلك بالحماية من حالات الغش والخداع، وأن تُقرَّ له حقه في التعويض المالي لقاء ما يصيبه من ضرر.

وهذه الحقوق الخاصة تنشأ بعد ثبوت جرائم الغش والخداع وغيرها من الجرائم التي تستهدف المستهلك أثناء التبادل التجاري. وفي هذا الجانب، نجد أن الأجهزة الرقابية السعودية تقوم بحملات ضبطية متعاقبة على منافذ البيع في الأسواق المحلية، والتي حظيت باستحسان عريض من جمهور المواطنين. بل إن هذه الحملات دعمت جانب الريادة والتفضيل لصالح وزارة التجارة والاستثمار في مجال خدمة الصالح العام.

وبما أن المستهلِك يُعد محورًا لقرار السوق، وتدور حوله عملياته؛ فهو الجدير بالحماية والرعاية، إلا أن الواقع التشريعي السعودي حتى الآن لم يشأ أن يُفرد نظامًا خاصًّا لحماية المستهلك، ليستوعب الحق العام تجريم هذه الأعمال، وكذلك كفالة الحق الخاص للمستهلكين، وقد يكون ذلك لاعتبارات منها تحقق الكفاية التشريعية في المنظومة القانونية الحالية التي تحيط بهذا الجانب، والتي تتقاسمها عدة أنظمة، منها: نظام مكافحة الغش التجاري، ونظام المعايرة والمقاييس. إلا أن حالة الفراغ التشريعي في عدم وجود قانون منفرد لحماية المستهلك فوَّت على المستهلك رعاية حقه الخاص، كما أسهمت في عدم تغيير الفكر القانوني في موضوع حماية المستهلك، والتي بدورها انسحبت على حالة التراخي في إيجاد وسائل الردع المناسبة لحالات السلوك المخالف لمضر بمصلحة المستهلك داخل السوق.

ولهذه الأسباب مجتمعة؛ يَلزم المنظم السعودي المبادرة إلى سن قانون لحماية المستهلك، على أن يستوعب القانون القواعد القانونية المناسبة المعمول بها في بلاد التشريعات الحديثة، ومنها: حق المستهلك في حماية مصالحه الخاصة أثناء مرحلة تكوين العقد ومرحلة تنفيذه، وأن تضمن السوق توفير السلع والخدمات وفقًا لمعايير الصلاحية، وبحسب طبيعة كل منتج.

كما على القانون أن يستوعب حاجة المستهلك للحصول على ضمان خدمة ما بعد البيع دون مصاريف إضافية، إضافةً إلى ذلك يكون للمستهلك حق الخيار في رد السلعة وفقًا لسياسة عادلة تحقق التوازن بين مصلحة المستهلك والتجار.

وأخيرًا.. لا يغيب في هذا الجانب أن على القانون أن يكفل للمستهلك الحق في مقاضاة من مارس عليه أحد أساليب الغش والخداع أمام القضاء، وأن يكون ذلك بالأصالة عن نفسه أو عن طريق جمعيات حماية المستهلك، فليس من الإنصاف أن يتم تغريم المتلاعبين في السوق، ولا يكفل النظام للمستهلك المتضرر حقه في التعويض المالي عما أصابه من ضرر.

الجمعة - 18 صفر 1438 - 18 نوفمبر 2016 - 03:43 مساءً
8
19467

في المقال السابق والمعنون بـ"قانونية ضريبة القيمة المضافة"؛ بدأنا الحديث عن مفهوم ضريبة القيمة المضافة، كما استعرضنا الشروط القانونية الواجب توافرها لمشروعية فرض الضرائب والرسوم، ولاستكمال ما سبق بيانه (أقول) وبشكل عام، إن الضرائب تختلف عن الرسوم الحكومية من حيث إن الضريبة تعتبر فريضة مالية تقوم الدولة بتحصيلها من قبل الفرد المكلف دون أن يقابلها خدمة محددة بذاتها، وهي بذلك تمثل إسهامًا من قبل الأفراد في أعباء وتكاليف الخدمات العامة، أما الرسم فهو عبارة عن مقدار من المال يستحق لقاء نشاط خاص يقدمه مرفق الدولة لذوي الشأن من الأفراد، وبالرجوع إلى الشروط القانونية التي يوجبها المنظم السعودي لسلامة فرض الضرائب والرسوم، فقد اختطت المادة (العشرون) من النظام الأساسي للحكم ثلاثة شروط يلزم توافرها لمشروعية فرض الضرائب والرسوم؛ حيث أوجب النص أن تكون هناك حاجة لإقرار الضرائب والرسوم، ومفاد ذلك أن يرتكز قرار فرض الضريبة على علة مشروعة لمواجهة ضرورةٍ ما، أو أن يكون في إقرارها مصلحة عامة يرجى تحقيقها، بتقرير أن المصلحة معتبرة ويقتضي مسلكها ظرف الحاجة، ووفقًا لقاعدة أن الشرط يستلزم مشروطه وجودًا وعدمًا، فإنه في حال زوال الحاجة من فرض الضريبة يقتضي الأمر عدم جواز الاستمرار في تحصيلها من الناحية القانونية، أما في الشرط الثاني؛ فقد أوجب النظام أن تكون الضريبة على أساس من العدل، وقد خلص شراح القانون أن المقصود من العدالة هو توزيع العبء الضريبي، وذلك بأن يتم تقسيم عبء النفقات العامة على أفراد المجتمع تقسيمًا عادلا، وبما أن العلة تدور مع المعلول، فإن مبدأ العدل والحال كذلك يعد شرطًا مقيدًا ومعلقًا عليه سلامة فرض الضريبة وتحصيلها، ويترتب عليه أنه لا يسوغ للجهات المالية أن تقوم بتحصيل الضريبة ما لم تتأكد من تحقق عدالتها، وآخر الشروط الثلاثة التي اختطها النظام هو مبدأ قانونية فرض الضرائب والرسوم، حيث أوجب النظام أن يكون فرض الضرائب والرسوم وتعديلها أو إلغاؤها أو الإعفاء منها أن يتم بموجب النظام، وهذا المبدأ يؤسس قاعدة بطلان الضرائب والرسوم، وعدم مشروعية تحصلها إذا تم فرضها دون نظام، فلا تشرق شمس الضرائب والرسوم إلا بالنظام، ولا تأفل إلا بالنظام، وأنه من نافلة القول، لم أشأ الدخول في مسألة الضرائب والرسوم من الناحية الشرعية أو من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لكون المختص في الجوانب الأخرى قد يكون لديه ملاءمة استعراض تلك الجوانب، حيث ينحصر المقال في الدراسة القانونية لا غير.

الثلاثاء - 08 صفر 1438 - 08 نوفمبر 2016 - 11:46 صباحا ً
17
29613

دفع النظام العالمي الجديد بأدوات مستحدثة في سبيل تنوع مصادر دخل الدول، حيث عرف العالم في منتصف خمسينيات القرن الماضي ضريبة القيمة المضافة، والتي من وصفها يتضح أنها لا تتفرد كثيرًا عن غيرها من الضرائب الأخرى، سواء من حيث أهداف الضريبة أومن حيث نتائجها، وبلا شك؛ فإن الضرائب في مجملها تعد من المصدر الهامة في تغذية الناتج المحلي الإجمالي للدول، ويتبين المتابع؛ أنه ليس هناك فرق يميز كل نوع من الضرائب عن الآخر، إلا أن لكل منها هويته التي تتحدد بناءً على نوع الوعاء الضريبي الذي فرضت من أجله. ولما أن المملكة العربية السعودية، ودول مجلس التعاون الخليجي على أعتاب تطبيق ضريبة القيمة المضافة، فمن الحري أن يتبين القارئ معرفة هذا النوع من الضرائب، حيث إن ضريبة القيمة المضافة عرفت بأنها ضريبة مركبة من حيث نوعها، وغير مباشرة في تطبيقها، كما أن فرضها يكون على سبيل الانتقاء ويكون تطبيقها على استهلاك أنواع بذاتها من السلع والخدمات، ولكون لهذه الضريبة أثرها المباشر على المستهلك، باعتبار أنه الطرف النهائي في مسألة استهلاك السلع والخدمات، فإن حقه في الحماية والرعاية يقتضي الوقوف على مسألة خضوع مثل هذه الضريبة للمشروعية، وحيث نصت المادة العشرون من النظام الأساسي للحكم، على أنه "لا تفرض الضرائب والرسوم إلا عند الحاجة، وعلى أساس من العدل، ولا يجوز فرضها، أو تعديلها أو إلغائها، أو الإعفاء منها إلا بموجب النظام."، ولما أن أحكام النظام رسمت حدود الإطار القانوني لفرض الرسوم والضرائب أيا كان نوعها، فإن ضريبة القيمة المضاف تكون خاضعة للنص سالف الذكر، ويلزم لإضفاء السلامة على إجراءات فرضها، أن تكون مشمله بمقتضى النص القانوني المشار إليها سالفًا، ومن القواعد الواجب إنفاذها في هذا الجانب، توافر الحاجة والعدالة، والنص القانون، ولا خلاف بأن هذه القواعد محل اعتبار في مراحل الإقرار والتنفيذ من لدن الجهات التشريعية والتنفيذية. وما يمكن إضافته في هذا الجانب؛ أنه من المستحسن من قبل الجهات المالية والرقابية العمل على توفير نظام فواتير إلكتروني، يحقق كفاءة توافقية مع طريقة حساب الضريبة، كما أن يتم نشر معايير محاسبية صارمة لغرض المحاسبة الضريبية، وأن لا يتم إغفال الحاجة إلى توزيع الأعباء المتوقعة من فرض ضريبة وأن لا يكون المستهلك المتلقي الوحيد لأثرها.

السبت - 28 محرّم 1438 - 29 أكتوبر 2016 - 11:49 مساءً
8
6609

إن الفضاء الإلكتروني عالم لا منتهٍ، وليس له حدود طبيعية أو حواجز مادية قائمة، وفي ظل تسارع التطور التقني الحديث؛ فقد فرض علينا الواقع مواكبته من حيث التشريع، ولنا أن نسمي ذلك مجازا بقانون الآمر الواقع، وبحسب طبيعة التغيير، فإن المخالفة أو الجريمة الإلكترونية لا تكون على ذات الدرجة من حيث السلوك الإجرامي والدوافع وطريقة التنفيذ كما هو الحال في الجريمة التي تقع في واقعنا الطبيعي، وباعتبار أن للواقع الطبيعي نواميسه وأحكامه، وللفرد فيه نمط وسلوك معين، فإن القانون يتجه لتقديم حدود الحماية المشروعة للحق والمصلحة وضمان عدم الاعتداء عليها من الغير، لذا فإن الجريمة في الواقعي تقوم على ثلاثة أركان وهي: الركن الشرعي والذي يعرف كذلك بالنص القانوني، والركن المادي والركن المعنوي، ولقيام الجريمة العادية يجب أن يكون هناك فعل غير مشروع ويخضع لنص يجرِّمه، وأن يكون أثره الخارجي يرتبط بنشاط الفاعل، وأخيرا؛ أن تتجه إرادة الفاعل إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة، أم أنها اتخذت صورة الخطأ غير العمدي.

أما في عالم فضاءات التقنية؛ فالجريمة الإلكترونية تتميز عن غيرها من الجرائم التقليدية من حيث موضوعها ونمط السلوك محل التجريم ووسيلة الجريمة، فالنمط المادي للجريمة يتحصل في أن السلوك المجرم يتم عبر أحد الوسائل الإلكترونية، وفي علاقة إرادية ترتبط معها ماديات الجريمة وشخصية الجاني، فالجريمة الإلكترونية قد تكون عمدية عندما يسبقها تأمل وتفكير في إحداث أثرها، وقد تكون دون ذلك، أما في الركن الشرعي؛ فقد أخضعت التشريعيات الحديثة أي سلوك يأتي به الفرد ويتعمد من خلاله الإضرار بمصلحة قدمها الشارع للمساءلة والعقوبة الجنائية، وذلك ضمان لعدم المساس بحقوق الأفراد ومصالحهم، وفي سمات الجريمة المعلوماتية؛ فإنها سوك ناعم لا يصحبه في العادة عنف، كما يسهل ارتكابها بعيدا عن عيون الرقابة الأمنية، إضافة إلى أنها سريعة التنفيذ والحركة لكونها عابرة للمكانية والإقليمية؛ حيث إنها تنفذ في جهد أقل مقارنة بالجرائم العادية، وكالعادة فقد خلصت المملكة العربية السعودية وبشكل حضاري إلى إضفاء جانب التشريع والحماية للعلاقات الإنسانية في هذا الفضاء، وذلك في مواكبة لمسألة المستجدات في البنيان التشريعي الوطني؛ حيث سبق وأن أصدرت نظام مكافحة جرائم المعلوماتية والذي صدر بالمرسوم الملكي رقم م/ 17 وتاريخ 8/3/1428هـ، تأكيدا أن للمجتمع ناموسه التقليدي، وللأفراد حق الحماية والرعاية لمصالحهم وذواتهم.

السبت - 21 محرّم 1438 - 22 أكتوبر 2016 - 02:10 مساءً
17
43968

لا تزال مسألة قياس كفاءة الموظف العام تشغل حيزًا مهمًّا في خارطة دائرة صنع القرار في السعودية؛ فالنشاط الذهني والمجهود البدني الذي يقدمه الموظف خلال ساعات العمل، يمثلان عنصرين معتبرين في عملية التخطيط الوطني، فلا يستقيم لصانع القرار رسم ملامح الإصلاح التنموي المستدام أو التخطيط الاقتصادي الصحيح دون التعرض لمسألة أداء المؤسسة الحكومية، والوقوف على قياس مدى كفاية الموظف العام ومناسبة أدائه في منظومة إنتاج القطاع العام.

وفي علوم الموارد البشرية، يخلص الباحثون إلى أن الإنتاجية هي معرفة مدى كفاءة الموظف في تحويل المدخلات إلى مخرجات خلال فترة زمنية معينة. وعليه، فإن الإنتاجية من العناصر اللا مادية وفقًا لذلك التوصيف. ومن باب الجمع بين المتشابهات، تعد الإنتاجية كالرضا؛ فهي عنصر لا ملموس، ويلزم في إجراءات قياسها تتبع معايير معينة، والتقيد باشتراطات علمية وشكلية محددة، فلا يسوغ لصحتها إلا تطبيق تلك المعايير المنهجية بكل صرامة وجدية؛ لكون القياس أداة لما أعد له. ومن ثم فنتائج الدراسة تحوز قوة الحكم على موضوعها بتجرد وعمومية.

في الأيام القليلة الماضية، امتدت رقعة الإعلان عن حالة الرفض بين السعوديين لتصريح وزير الخدمة المدنية خالد العرج من أن إنتاجية الموظف الحكومي لا تزيد على ساعة واحدة في اليوم، وهذا القول لم يتدارك معه رأس الهرم الإداري في الوزارة حالة التنوع من حيث طبيعة العمل والمسمى الوظيفي والدرجة ولا من حيث مكان الوظيفة ولا جنس الموظف، بل إن الحكم في ظاهره جاء على سبيل العموم ودون التحرز.

وفي نظري أنه لا ينازع في أن الوزير استند في تصريحه إلى دراسات أعدت حول إنتاجية الموظف العام؛ فالثابت من الوجهة العلمية أن عددًا من الدراسات البحثية لا تنال حظها من الإعداد السليم، فمنها ما يبنى على عيب في دقة تحديد عناصر البحث أو قصور في جودته أو عدم سلامة أدواته. ونتيجةً لذلك، يشمل هذا العيب الدراسة ونتائجها.

وفي المقابل، فإن مسألة تذمر المجتمع من تحديد إنتاجية الموظف بساعة واحدة في اليوم له ما يعضده من واقع الحال المحسوس؛ فقد برهن العديد من المعترضين من خلال وسائل التواصل المختلفة على الخطأ في ذلك؛ حيث استحضروا العديد من الوظائف العمومية التي لا يسع التشكيك في إنتاجية موظفيها خلال ساعات الدوام الرسمي. ومن نافلة القول أن التصدي لمثل هذه الدراسة المغلوطة وطرح محتواها جانبًا يكون حريًّا أن يقوم به المسؤول؛ فالحكم على الشيء جزء من تصوره.

الجمعة - 13 محرّم 1438 - 14 أكتوبر 2016 - 02:15 مساءً
6
11649

يحرص المجتمع الدولي على ضمان سلامة وحيوية الملاحة البحرية، وأن تكون البحار مفتوحة أمام حرية سير السفن والمراكب؛ لما يمثله ذلك من دور هام في عملية نقل وتدفق البضائع بين الأمم. وفي المفهوم السائد تُعد الممرات المائية شرايين الملاحة البحرية، وعنق المعبر لمرور السفن من وإلى المياه الدولية، وبدوره فإن إسباغ الوصف القانوني الملائم للممر المائي يشكل مسألة جوهرية في تحديد النظام القانوني الذي يخضع له الممر المائي، باعتباره ضمن المياه الإقليمية الداخلية للدولة المتاخمة، أم كونه خاضعًا لأحكام القانون الدولي. وقد عرفت محكمة العدل الدولية (أبريل 1949) المضيق الدولي بأنه الممر المائي الذي يصل بين جزأين من أعالي البحار ويستخدم عادة لأغراض الملاحة الدولية، لذا فإن المضيق يكون دوليًّا إذا توافرت له أوصاف وظيفية وجغرافيا معينة كما سلف، لذا فإن مضيق (هرمز) يصنف قانونيًّا بأنه ممر مائي دولي، وكونه جزءًا من أعالي البحار، فالمضيق يوصل بين الخليج العربي من جهة وخليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى. وللمضيق أهمية اقتصادية عالمية تتلخص باعتباره المنفذ الحيوي لنقل الطاقة من مصدرها إلى الأسواق العالم، وحال الملاحة البحرية في المضيق من حيث التهديد والتوتر لها الأثر السلبي على استقرار أسواق واقتصاديات العالم.

فحرية الملاحة في المضيق تشكل عاملا جوهريًّا لأمن الطاقة، ولما كانت مسؤولية المحافظة على قدر من حدود الطمأنينة الطبيعية تقع على عاتق أعضاء المجتمع الدولي، فلم تنفك المملكة العربية السعودية باعتبارها من الركائز الضامنة للسلم والأمن في المنطقة؛ بالقيام بمسؤولياتها الدولية تجاه التصدي للأفعال المؤثرة على استقرار الملاحة البحرية في المضيق، حيث تقوم بجهد دبلوماسي ملموس لإيجاد المساندة والغطاء الدولي اللازمين لمواجهة تهديدات تعكير صفو الملاحة البحرية وتدفق السفن عبر الممرات الحيوية والمياه الإقليمية، ومن الاستراتيجيات المساندة لتحقيق هذا المقصد، إظهار الجاهزية الميدانية والمقدرة العسكرية لواجب التصدي لأي أعمال قد تؤثر على استقرار الملاحة في المياه الدولية والإقليمية. ومن مناورات "درع الخليج 1" التي أجرتها المملكة العربية السعودية في الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان؛ يتسق ما تقوم به المملكة مع الواجب الإقليمي والمسؤولية الدولية تجاه حماية الملاحة المائية الدولية، وردع الأعمال غير المشروعة التي تحمل وجهًا قبيحًا لعرقلة الملاحة الحيوية، حيث تعتبر حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وبحر عمان جزءًا من أمنها الوطني ومسألة دولية بالغة الأهمية لا سيما وأنها متعلقة بسلامة إمدادات النفط العالمية.

السبت - 07 محرّم 1438 - 08 أكتوبر 2016 - 06:33 مساءً
2
15462

استقرت المباديْ الدولية على عدم خضوع الدول لاختصاص محاكم دولة أجنبية، كما انتهت التشريعات الحديثة لشمول مبدأ الحصانة القضائية للدول ضمن القوانين الوطنية، وقد ارتكز القانون الدولي في مسألة إقرار هذا المبدأ على فكرة المساواة واستقلال الدول، كونه مهَّد لأعضاء المجتمع الدولي تبني القواعد والأحكام الخاصة بالحصانة الدولية، ومن هذه القواعد عدم إجبار الدول ذات السيادة على الالتزام بالأحكام والقرارات الصادرة من قبل محاكم دول أخرى؛ لمخالفتها مبدأ السيادة الدولية، ولا غرابة، بأن التصرف المخالف لذلك يُقابل بالاستنكار الدولي والنقد العلمي من قبل شراح القانون؛ حيث إن مسألة توفير الحماية القانونية للدول والإجراءات القضائية، وضمان عدم الملاحقة القانونية تعد معيارًا رسميًا في قياس مدى التزام الحكومات بأحكام القانون الدولي.

فلكل دولة حق قانوني مشروع في التمتع بالحصانة القضائية طالما أنها تتصرف ضمن دائرة القوانين الدولية ووفقا لصفتها الرسمية.

وبالتالي؛ فإن مسألة الحصانة القضائية للدول تعد ضمن مسائل الاختصاص القضائي الدولي، ولمحكمة العدل الدولية وحدها الحق في التصدي لها سواءً من حيث التقييد أو الإنقاص كونها الجهاز القضائي الرئيس التابع لأمم المتحدة، ولا ينازع في ذلك ما تملكه الدول من حق بأن تتنازل عن حصانتها وفق درجة معينة وتحت ظروف مختلفة، كممارستها لنشاطها التجاري .

قبل أيام؛ مرر المشروع  الأمريكي تشريع «العدالة ضد رعاة الإرهاب» وغايته إسقاط مبدأ الحصانة القضائية للدول، وهو المبدأ القانوني الحاكم لتنازع الاختصاص القضائي بين الدول منذ مئات السنين، فقد تضمن المشروع على منح المحاكم الأمريكية سلطة بسط نفوذها للنظر في الدعاوى التي يقدمها الأفراد وأشخاص القانون الخاص ضد الدول الأجنبية أو تابعيها، وذلك فيما يخص دعاوى المسؤولية المدنية، وكون هذا المشروع يعد سابقة، فلا يغيب على مختص في مجال القانون ضخامة الآثار القانونية السلبية التي يحملها التشريع، ويتبين تداعيات الخطأ الحاصل في مراحل الإعداد والتحضير له، كما يخلص لمسألة الاستعجال في تبني التشريع، والإجراءات المتسارعة في مسألة تمريره، كون مشروع القانون لم يأخذ حقه السليم في الدراسة والتحضير، وفحص الآثار القانونية والاقتصادية لإقراره، ومدى إمكانية تنفيذه، لذا ينتهي القول بعدم سلامة الإجراءات التحضيرية التي مر من خلالها التشريع، كما أنه يمثل خنجرا مسموما في خاصرة الحصانة القضائية للدول والتي تعد امتيازا مكتسبا وفقًا لقواعد القانون الدولي.