صالح الدبيبي
عدد الآراء :6
السبت - 17 شعبان 1438 - 13 مايو 2017 - 11:43 صباحا ً
0
1806

أنا عاطفي بطبعي العام، وأنفعل نفسيًّا بكل المواقف التي تمر بي أو أقرؤها أو أشاهدها، ولي ذاكرة حديدية لا يغلبها النسيان، خصوصًا مواقف الحب والوفاء والنبل. ولعل حديثي عن الشيخ عبدالعزيز العقل الذي هو جزء من ذاكرة القصيم وذاكرة بريدة؛ هو من هذا القبيل.

والشيخ عبدالعزيز هو داعية ليس ككل الدعاة؛ فقد احترف الدعوة إلى الله منذ زمن مبكر، تقلب في مراتعه محتسبًا بمنهج الحب والتسامح مع الصغير والكبير، والعالم والعامي. بل حتى النساء بكافة طبقات أعمارهن، ومن قُدِّر له سماع الشيخ عبدالعزيز العقل ووعظه ومحاضراته؛ يدرك ما أقول؛ فصدقه يتحدث قبل لسانه، ونصحه يتحدث قبل استشهاده، وإخلاصه يتحدث قبل وعظه، بحكمة وترغيب وتقريب لله -تعالى- وحبه والطمع برحمته وعفوه وستره وتوفيقه؛ فلذلك احتل الشيخ مكانة في القلوب والأرواح، رغم كبر سنه ومرضه. وحتى الآن، لا يذكر اسمه إلا مع استدعاء صورة النعيم المقيم، وحب الله ورضوانه بعيدًا عن أذى الناس بالتقريع والعنف اللفظي ورفع الصوت بما لا مبرر له.

ولي مع الشيخ عبدالعزيز العقل موقف عظيم، عرفت من خلاله أن هذا الرجل يعمل لله فقط، لا تعنيه أي تفاصيل لا تصب في خدمة المجتمع وتوعيته؛ حيث قرر بعض شباب الدعوة إقامة مركز صيفي في حي الشماس؛ الحي الشهير المعروف في بريدة، وصودف أن بعض الإخوة لم تعجبهم هذه الفكرة من أجل هدف تنظيمي كما يقولون، وهو شيء طبيعي تحول إلى شيء غير طبيعي وهو المقاطعة لهذا المركز الصيفي. وحيث إن حظ النفوس علا حق الدعوة والمجتمع، كان إصرار شباب الدعوة على إقامة هذا المركز أيًّا كانت العراقيل، وقررت الانحياز إلى هذا الرأي. ولأخذ هذا الاعتراف كان لا بد من دعوة بعض المشايخ والدعاة لهذا المركز الصيفي، فتم الاتصال ببعضهم واعتذروا لا أدري لِمَ، فاتصلت بالشيخ عبدالعزيز العقل وشرحت له الموضوع فقال: "منذ زمن وهذا الحي بحاجة ماسة إلى نشر الدعوة فيه، وأنا معكم ومؤيد لكم، وسوف أحضر لإلقاء محاضرة فيه، فتم ذلك بحمد الله تعالى.

وللتاريخ، فقد جاء بعده لإلقاء محاضرة الشيخ الدكتور عبدالله الجعيثن -حفظه الله- وشرَّف الحفل الختامي الشيخ الدكتور صالح الونيان -شفاه الله- كل هذا من بركات الشيخ عبدالعزيز، وليته يعلم أن حي الشماس الآن توجد فيه مدرسة تحفيظ القرآن الكريم للبنات، ودار نسائية، وانعتق عن زمن مر فيه!!

كان الشيخ متسلحًا بالقرآن الكريم؛ فهو أنفاسه في كل وقت وحين، وهو وصيته لكل الناس. ويحدثني الشيخ عبدالرحمن الصمعاني عن نصيحة وجهها إليه الشيخ العقل في الجامع الكبير ببريدة انتفع بها كل الانتفاع؛ حيث شاهده يراجع حفظه من القرآن الكريم ومعه المصحف فقال له: "إذا أردت ضبط القرآن الكريم حفظًا، فلا تمسك بالمصحف أبدًا وصابر نفسك على تذكر الآية التي نسيت"!!

الشيخ عبدالعزيز -كما تقول رفيقة دربه- لم يترك قيام الليل منذ تزوجها حتى يوم وفاته، طالبًا رضى الله وعونه وتوفيقه. وبالفعل رزقه الله -تعالى- ذكرًا حسنًا بين الناس وأبناء صالحين وبنات صالحات، منهم الصديق القديم الدكتور يوسف، والصديق القديم الجديد الدكتور عبدالرحمن العقل، الذي ينبض قلبي بحبه، والدكتور عقل.. هؤلاء من أعرفهم، وغيرهم يزكيهم مجتمعهم بالأدب والخلق الحسن!

وتحمل الشيخ المسؤولية في نشر التسامح مع الناس حتى كانت عيبة عند بعض المتشددين، وجعلت بعض العوام يقولون: إذا سمعنا فلانًا وعدنا النار والعذاب، وإذا سمعنا الشيخ العقل دخلنا الجنة ونعيمها! والعوام هوام!

يحدثني ابنه الدكتور عبدالرحمن أن والده لم يتشاءم قط، ولم تسود نظرته للحياة يومًا من الأيام؛ فكل الأمور سهلة عليه بروح التفاؤل والظن الحسن بالله!

وكان الشيخ العقل رحيمًا بالناس، ويكره كرهًا شديدًا تحقيرهم وإهانتهم والشماتة بمخالفاتهم، وهو ما جعله يستوطن قلوب الناس.

الشيخ عبدالعزيز العقل وُلد في محافظة الشماسية سنة 1360هجرية، وبقي شامخًا مثل الشجر، لم يدنس دعوته بشيء يشين طيبها، ولم يعكر صفوها بحب الدنيا والمناصب، بل بقي طيبًا مباركًا أينما كان. ونسأل الله -تعالى- أن يختم له بالطيب بعد عمر مديد!

هذا هو التدين الحقيقي الذي أعرفه ويعرفه كل عاقل يعرف طبيعة الناس وما يحتاجون إليه. ويكفي أن خلق الحب والتسامح والرحمة هو خلق المصطفى، صلى الله عليه وسلم.

الاثنين - 20 رجب 1438 - 17 أبريل 2017 - 11:09 صباحا ً
0
1305

هذا العنوان سرقته من الدكتور علي العمران في سلسة الوفاء التي أكملها والتي هي خليقة بعنوان الكتاب ورسمه، لأن الدكتور العمران كان وفيًّا مع أستاذه، كما كان العلامة بكر أبوزيد وفيًّا مع شيخه صاحب (الأضواء) محمد الأمين الشنقيطي رحم الله الجميع، ولعلي لا أجزم بأن ما كتبه الدكتور العمران هو سيرة تفصيلية وكافية لعالم كان يهرب من الأضواء ويهرب من الظهور، لولا ما منحه الله من القبول غير المسبوق لمؤلفاته بين طلاب العلم، خصوصًا مع بداية الصحوة الإسلامية المباركة، والتي بحمد الله تعالى ما زلنا نذوق ثمارها حتى الآن، ولعلي لا أتجرّأ على سرقة محتوى الكتاب واضعه في مقال عابر، وإن كان الكتاب مغريًا بالقراءة من أول ورقة كأنك أمام رواية جميلة جزلة أو قصيدة تتغنّى بها من أول بيت!!

لكن ما يحيط بالعنق فيها هو الجانب الذي لا نعرفه في شخصية العلامة بكر أبوزيد، وهو الجانب الأخلاقي الراقي والمرؤة العالية لعل أهمها هو تواضعه الشديد وزهده في الدنيا والبعد كل البعد عن مغاشي حظوظ النفس رغم أن المناصب العليا والمواقع الإدارية التي حصل عليها، وهو أكبر منها بلا شك ولم يسع إليها لم تؤثر فيه أبدًا، لدرجة أنه يحرص على التبسط مع طلابه لدرجة حرصه على القيام بحق الضيافة من صب الشاي والقهوة والإكرام بنفسه، ويرفض أن يساعده احد في ذلك، فلك أن تتخيل رجلًا كان إمامًا وخطيبًا للمسجد النبوي ووكيلًا لوزارة العدل هو بمثل هذا التواضع والأريحية وهضم النفس!! بل لعل أعظم ملمح في هذه السيرة الرائعة، هو حرص العلامة بكر أبوزيد على النقد والملاحظات أكثر من حرصه على المدح والثناء، وهذا والله لأمر سقطت فيه أشناب الرجال!! فكم ورم أنف بعض طلبة العلم من النقد (على حد تعبير الدكتور العمران) بملاحظة أو تصحيح، وكأنه مالك للحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش أو الجدل، ولعل هذه الصفة التي تحلى بها الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله تعالى، هي التي جعلت لمؤلفاته هذه الشهرة، وهذا الذيوع وهو تقبل النقد والملاحظات لدرجة التوسط لمن نقده ليحصل على عمل!!

كما أن الكتاب الجميل الذي خطه الدكتور العمران فيه لفتات نبل لم أعرفها ولم أسمع بها، وهي شراؤه منزلًا للشيخ عبدالقادر الأرناؤوط لما زاره في منزله بطريقة نبيلة كان الشيخ عبدالقادر يذكرها دائمًا للناس من باب الوفاء للجميل!!

ولعل أعظم مشروع من مشاريع الشيخ بكر أبوزيد هو إعادة طباعة ونشر وتحقيق مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وهو عمل جبار بل لا أبالغ إذا قلت تاريخيّ ومؤسس، بل إنني أرى أن هناك أعمالًا أخرى وموسوعات إسلامية تحتاج إلى إعادة طبع وتحقيق مع وضع فهارس على نسق ما أشرف عليه العلامة بكر أبوزيد وإلحاق فهارس أخرى لعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية واستخراج جوانب الفكر الإسلامي والاستنارة فيها لحصل بهذا نفع عظيم لا يتخيله أحد مع دراسة وافية لهذه الموسوعات مثل فتح الباري لابن حجر والمغني لابن قدامة والمحلى لابن حزم والمجموع للنووي وغيرها كثير، وعسى الله تعالى أن ييسر لهذه الأعمال المراكز الصالحة للعكوف على مثل هذا العمل الكبير.

وإني هنا أعتذر من الشيخ الدكتور علي العمران، على اقتحامي كتابه وسرقة عنوانه، لكن ما شدني هو وفاؤه لأستاذه وحرصي أنا وهو على الاقتداء بمثل هذه القمم العلمية علمًا وأخلاقًا ونبلًا!!

الخميس - 17 جمادى الآخر 1438 - 16 مارس 2017 - 09:48 صباحا ً
2
3162

كل شيء أطيقه إلا عتاب من أحب! دائمًا أتأخر في كتابة مقالي أمام عتب أستاذي إبراهيم الماجد المؤدب، وهو عتب يُشعرني بالخجل، ومع ذلك أنجح في التمرد عليه، وسبب تأخري هو شعوري أحيانًا بعدم الجدوى، والقصور الذي يعتري قلمي مع تزاحم الأفكار والمواضيع، وتسارع أحداث الزمان بشكل كبير يذهل القلوب قبل العقول، ومن سماعي للخبر المؤلم لنفسي وخاطري الوعكة الصحية التي ألمت بشيخنا الدكتور صالح محمد الونيان، فقررت أن أكتب عنه، وعن تجربته الفريدة، وشخصيته المكثفة التي تحمل التاريخ والقلب الكبير والعمل الممنهج بشكل لافت، ومع ذلك سوّفت في كتابة مشاعري، وتأخرت كالعادة، وعذري أنني مرتبك وحزين، وتسلل الاكتئاب إلى روحي من مرض الشيخ، وهو شيء أعجز عن تصوره بعد اعتياد سماء القصيم على صوته وصعوده على منبره كل جمعة منذ سنوات طويلة، شكلت وعي المجتمع، وكذلك العمل الخيري والإنساني المؤسسي الذي وهبه الشيخ صالح وقته وجهده، وأنهك به جسده، وأذهب به زهرة شبابه، لكني شاهدت أحرف مقال شيخنا القارئ المعروف الدكتور عبدالعزيز الأحمد الذي فاض بكل الحنان والعطف، وحمل معه مقترحًا رائعًا يتمثل في تكريم للشيخ صالح الونيان بعمل خيري، ولعلي هنا مع إعجابي الشديد بالمقال والفكرة، إلا أن شخصية الشيخ صالح الونيان أبعد من ذلك بكثير، ودعوني أقول ما بخاطري، لا أغتصب الكلام اغتصابًا، بل سوف أنثره على سجيته وتلقائيته.

بدأ صوت الشيخ صالح الونيان مع خطبته الشهيرة (مارادونا) التي لفتت النظر لطالب علم نقل الخطبة في منطقة القصيم من السجع المتكلف والوعظ الباهت إلى أفق أرحب، وإلى سماء أعلى تجاوز ذهنية ذلك الوقت، وبالفعل انتقلت خطبة الجمعة في جامع الخليج إلى بيان ثقافي أسبوعي ملهم لعامة الناس والحاضرين، ورغم طول الخطبة إلا أن الناس تتوافد على جامع الخليج بشكل كبير ومبهر، مما اضطر إلى توسعة المسجد، ولا أنسى جدي عثمان الدبيبي -رحمه الله- وحرصه الشديد على الصلاة معه كل جمعة، وتحمل الإطالة النافعة رغم كبر سنه، وهو ما جعل الشيخ صالح الونيان يخترق قلوب وعقول عامة الناس، ولا أبالغ إذا قلت إنه ورث هذه المكانة عند العامة بعد الشيخ صالح الخريصي -رحمه الله- رئيس محاكم القصيم سابقًا، حيث كان عامة الناس لا يقتنعون بأي رأي أو فتوى ما لم يقلها أو يُفتي بها الشيخ صالح الخريصي، وقد أدركتُ بعض هذا المزاج المجتمعي في بريدة مع جلال عدد من العلماء في عصره إلا أن رأيه الفقهي وحكمه في بعض المسائل والقضايا مقدم على رأي غيره عند عامة الناس، وكذلك ورث هذه المكانة الشيخ صالح الونيان!

حافظ الشيخ صالح الونيان على المكتسب الوطني، ورعاه، فكان صمام أمان بعد ذلك لكثير من الشباب المتحمس في شكل الاحتجاج والإنكار بعلم وبدون علم، مما جعل له القبول عند ولاة الأمر والجهات الرسمية وعند عامة الناس، وبعد فكرته الخيرية والإنسانية المباركة (المستودع الخيري) التي تطورت إلى أعمال عديدة ومناشط أفرزت أعمالا مقلدة ومشابهة له، توسع العمل الخيري في منطقة القصيم، واقتحم مجالات كانت مهملة ومغفولا عنها، كل ذلك والشيخ صالح الونيان يعمل بصمت وبدون ضجيج أو جعجعة أو تنافس يفقد العمل الخيري والإنساني مصداقيته، ويحوله إلى مجال للتفاخر على حساب جراح الضعفاء والمساكين والمحتاجين، وهذا ما منح جميع أفكاره البركة والقوة والانتشار والثقة والضبط المالي والإداري والأخلاقي، وهو شيء أسأل الله أن يجزيه عنه خير الجزاء في الدنيا والآخرة!

علاقتي بالشيخ صالح الونيان بدأت بالشكل العلمي، فكنت بحكم انشغاله الشديد أنقل له المستجد من أحداث عبر الكتب والأشرطة، فكان حريصًا جدًّا على متابعة دروس الشيخ سفر الحوالي، وشرحه العقيدة الطحاوية، فعقدنا صفقة غير مكتوبة أنني إذا استمعت للدرس أحمله له بحكم انشغاله ليسمعه، دار الزمن وتغير المناخ والرؤية والأفكار، وكنت أظن أن بعد الزمن والفكر يغير أصالته وأخلاقه، فوجدته ذلك الرجل الجبل كبير الأخلاق كامل المرؤة محافظًا على الود والوفاء والرجولة والابتسامة والتسامح، وهو شيء لا أنساه له ما حييت في وقت تنكر للمعروف بعض طلاب علم ومشايخ لا يقومون حتى بحق الإسلام ورد السلام، ناهيك عن قلة الأدب وعرف الخلق والمروءة العربية!

الشيخ صالح الونيان لا يحب الأضواء ولا الشهرة إلا عبر ما كلف به، فتعودنا على رؤيته والصلاة خلفه يوم الجمعة، ونسينا أنه بشر يغيب عنا لمرض وتعب، وقد عبر الناس الذين يعرفونه عن مشاعرهم بكلمة واحدة تلخص مكانته في القلوب بمثل تقوله العوام لشخص غالي ومحبوب الله "لا يبين غلاك!".

حفظ الله شيخنا الجليل، ورده إلى منبره ومسجده، وقبل ذلك إلى قلوبنا!

الأربعاء - 25 جمادى الأول 1438 - 22 فبراير 2017 - 10:16 صباحا ً
4
6348

 

الذاكرة خداعة وماكرة، كما يقول عبدالرحمن منيف، فهي تتذكر ما تريد وما تحب، وتضرب صفحًا عن كل ما يضر أو يشين صاحب الذاكرة. وقد تتسرب بعض اللحظات الجميلة والصادقة والمحايدة عن أشخاص أحببناهم، وتعاملنا معهم، بل وأخذنا منهم عصارة التجارب والأفكار، وقبل ذلك العلم والمعرفة والصدق والأخلاق النادرة التي لا تتكرر دائمًا، ولا يجود الزمان والمكان بمثلها كثيرًا.

معهد بريدة العلمي كان منارة للعلم والمعرفة، تتلمذ فيه الكثيرون من الطلاب على خيرة الناس دينًا وتقوى وصفاء روحيًّا وتدريسًا قوامه الإخلاص والصدق، منهم -بدون ألقاب لأنهم أكبر من كل لقب- الشيخ الزاهد محمد السعوي، وقامة الأخلاق الشيخ عبدالله المطوع، والمربي الشيخ عثمان العثيم، والفقيه الشيخ محمد المشيقح، والفقيه إبراهيم الراشد، والأستاذ القدير أحمد العلوان، والمفسر الأستاذ مبارك الزهيري، والأديب عبدالعزيز الزهيري، والنحوي البارع الأستاذ العمرو، والسهل الطيب الأستاذ عبدالله السهلي، والقارئ الشيخ أحمد الشاوي، رحم الله تعالى من توفي منهم، وأطال في عمر من تبقى على طاعته.

ومن بين هؤلاء رجل نحيل يمشي مسرعًا في خطوه كي لا يضيع وقته، مهيب المنظر والكلام، ونظراته الحادة خلف نظارته تحمل صرامة العلم ودقته، لكنه مع ذلك يحمل في قلبه الخير والنصح لتلاميذه، ومحبة تعليمهم العلم، وتوصيل المعلومة الصحيحة والدقيقة لأذهانهم، حتى إن امتحان مادته لا يحتاج إلى تحضير ولا استعداد، وهذا شيء مشترك بين الطلاب. أذكر أنه كان يبذل قصارى جهده في تحضير مادته التي يلقيها على الطلاب في شرحه لكتاب (عمدة الأحكام للإمام المقدسي) وفي شرحه لكتاب شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله (الأصول في علم الأصول)، فكان كل درس محاضرة غنية بكل ما هو مفيد من المعلومات والمراجع، ويجيب بكل جدية ورحابة صدر على أي سؤال يأتيه من التلاميذ إجابة شافية لا يعتريها شك أو خلل. ومما يعلق في الذاكرة أنه لا يحب الجلوس مع المعلمين في الفسحة الطويلة، بل يجلس في مكتب وكيل المعهد الشيخ عثمان العثيم قارئًا لكتاب، أو مستقبلا لمن يريد سؤاله من الطلاب في وقت راحته!.

أذكر أنني كنت أتردد عليه في مسجده لحضور بعض الدروس العلمية كـ(شرح الورقات للإمام الجويني) وكتاب (قواعد الأصول ومعاقد الفصول) للإمام ابن عبدالحق البغدادي. وكل الدروس لا تختلف عنده حرصًا وتحضيرًا ونصحًا. ومن الأشياء الطريفة الرائعة التي تحسب لبعد نظره، أننا في المرحلة الثانوية، وهي مرحلة حماسية في حياة الشباب وثورته وقلة خبرته الحياتية، كانت لنا وجهة نظر حادة تجاه بعض المواضيع الاجتماعية التي تحصل في تلك الفترة الماضية، وغياب التوجيه والإرشاد أحيانًا يوقعنا بالخطأ، فكنا نذهب للشيخ عبدالله الفوزان ليذكرنا بأهمية العلم الشرعي، وعدم الانتصار للنفس، وضبطها، ومعرفة حجمها وقدراتها، فلم يكن يجامل على حساب قناعته وفهمه ومحافظة على جمهوره، بل كان وافر النصح شديده.

ولم أتخيل أن هذا الشيخ الجليل الصارم في الدرس العلمي يفيض قلبه حنانًا ولطفًا وعذوبة، فقد أديت اختبار إحدى السنوات في مستشفى بريدة المركزي في المرحلة الثانوية، فكان في كل يوم يطل عليّ بزيارة تشبه زيارة الملائكة والطيبين، فيسليني ويمزح معي، ويقرأ عليّ بعض الأوراد، وهو شيء لن أنساه له ما حييت.

الشيخ عبدالله الفوزان بقدر محافظته على وقته، محافظ على توازنه وعلى صيانة نفسه كعالم لا يبتذل نفسه لمنصب أو مكانة أو يتوسل شهرة أو جماهير تفرقها صفارة إنذار، بل تقي خفي في كل أعماله، فلم يبحث عن قنوات فضائية يفاصلها بسعر الظهور، ولم يصور قصره للناس عبر السناب شات، ولم يصور نفسه وهو ذاهب ليصلي بالمسلمين الجمعة. أعلم جيدًا أن من حق هؤلاء احترام وجهة نظرهم، لكن مما أعلمه أن صورة العالم الرباني حب نفع الخلق بكل الوجوه الخيرة والنزيهة بعيدًا عن التكسب والفخر والمكايدة وعشق الإعلام حتى بعرض موائد الطعام والشراب والقهقهة على المسطحات الخضراء في تركيا.

يجب أن نتعلم كسر شهوات أنفسنا، وكبح اللهاث وراء المعاني الزائلة التي لا بركة فيها ولا خير، هذا ما أعلمه من سير أعلام النبلاء من السلف الصالح، ولا أبالغ إذا ما قلت إن الشيخ عبدالله الفوزان هو بقيتهم.

وبحسن إدارته لوقته -حفظه الله- استطاع أن يكون العالم المتفنن في كل العلوم الشرعية، وكان قمة مؤلفاته وأجملها هو شرحه لكتاب (بلوغ المرام المسمى منحة العلام) وزوائد المحرر على البلوغ، وكذلك كتاب (فقه الدليل في شرح التسهيل)، وغيرها من المؤلفات في الفقه والنحو والآداب، فتحديد الهدف مع الصبر الجميل والإخلاص لله كفيل بنتائج باهرة مفيدة لصاحبها والمجتمع.

وليقيني الكامل بأن الشيخ عبدالله سوف ينزعج من هذا الحديث لأطلت، وقلت ما سوف أقوله تقديرًا وعرفانًا بجهده، ولإعلام من يقرأ هذه الحروف مِن شخص هو من أكثر الناس تقصيرًا، لكنه طامع بعفو الله ومغفرته وستره.

حفظ الله شيخنا العلامة عبدالله صالح الفوزان، وأطال عمره على طاعته معلمًا وموجهًا وداعية خير.

الخميس - 12 جمادى الأول 1438 - 09 فبراير 2017 - 11:59 صباحا ً
10
2865

النقد بشروطه ليس منقصة لتصحيح مسار فكرة معينة، في وقت محدد أو في مكان بعيد أو قريب لا يهم. أما أن يصل العته المعرفي إلى مداه، والجهل المركب إلى عمقه؛ فهذا هو الداء الذي لا دواء له.

ففي نقدٍ يفتقد إلى أدنى درجات المصداقية، نرى مقدم برنامج يظن نفسه مفكرًا ومثقفًا وذا وعي لا يُشق له غبار، إنه الأستاذ إبراهيم عيسى الذي يعقد ندوة عن (الوهابية) وهو لم يقرأ أي شيء عنها، ولا عن ظرفها التاريخي، ولم يكلف خاطره بالاطلاع على أصول متن الإمام ابن عبدالوهاب، بل لم يكن أمينًا ومحترفا إعلاميًّا ليستضيف أحد أبناء الحركة الوهابية ليدافع عن منهج الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة أدامها الله تعالى؛ بل استضاف بغلا ثقافيًّا آخر يعتقد جازمًا أن الحركة الوهابية هي مؤامرة بريطانية، معتمدًا على كتاب منحول لشخصية "هنفر" البريطاني عبر مذكراته، والتي يعلم هو وإبراهيم عيسى يعلم بل كل مصر تعلم أن أيوب صبري باشا هو من ألفها لتشويه صورة الحركة، فأقل جهد علمي يكفي للرد على هذا الهراء، وكذلك تأمل منتج شيخ الإسلام في زمنه محمد بن عبدالوهاب، وكذا شهادات أناس داخل النسق الإسلامي المصري مثل شيوخ وعلماء الأزهر.

وإبراهيم عيسى ليس معتوهًا طول اليوم، بل بذكاء متوسط القدر أتى بمؤرخ يفتخر بجيش غير مصري لمهاجمة الدولة السعودية، على حد تعبيره، عبر حملات إبراهيم ومدحت باشا، والتي راح ضحيتها دماء بريئة، وكانت نتيجتها الخيبة عدة مرات.

معاذ الله أن أُطلق على عيسى وعلى من هو على شاكلته لقبًا غير ما قلته إلا لقب "تابعي البغل الثقافي"، ومنهم يوسف الحسيني الذي يصدق عليه بامتياز المثل العربي "لا في العير ولا في النفير!"، فلك أن تتخيل شخصًا يفتخر بجهله، ويحول برنامجه إلى كيل للشتائم المعبرة عن شخصيته، والإنسان أسير ما ينطق وما يقول.

وأحد مكونات "البغل الثقافي" الكذب، وقوله وتصديقه ونشره بلا حياء معرفي، فهو يتحدث عن الإسلام والمسلمين أجمعين بأنهم دعاة إرهاب، وهذه المرة يدخل فيها الأزهر وحتى كل إسلامي مستنير دون قراءة ولا عدل ولا وعي ولا التزام بالشرط العلمي، وحالته هي نذير لكل مثقف وكل قارئ ومتابع بأن العلم والمعرفة لا تكفي دائمًا، بل لا بد لها من عامل أخلاقي يجعل العدل ولا شيء غير العدل يحكم تصرفك وحديثك عن الناس والآخرين، سواء من المؤسسات أو الأفراد والأشخاص، والإسلام ومجددوه سوف يبقيهم التاريخ رغم أنفه، لأن الحق مهما علاه بعض الغبار فالله جل جلاله يرسل رياحًا تزيل كل ضلالة!.

الثلاثاء - 12 ربيع الآخر 1438 - 10 يناير 2017 - 08:40 مساءً
3
1605

الحب يُورَّث، وهو أرقى الكمالات الإنسانية التي تُسقى بطيب النفس وصفائها، وهو ذلك الشعور الراقي بحب الخير للناس كل الناس، والوطن كل الوطن!.

لكن هل يُعيد التاريخ نفسه، والحب يعيد نفسه، والابتسامة تعيد نفسها؟!، لست ابن خلدون حتى أخوض في التاريخ وأمثلته وزواياه، لكن في الحب والابتسامة سوف أتورط التورط اللذيذ فيهما، ليس لأني فارس الفرسان فيهما، وأنا لا أُجيد نظم بيت واحد في العشق، لكن تورطي هو شعور إنساني يشترك فيه الشاعر والمثقف والمفكر والمواطن البسيط والساذج التعابير دون تنميق مديح في شخص غاب لن يستفيد مني ولن أفيد منه سواء الدعاء بالرحمة والمغفرة والعتق من النار!.

كلنا يذكر (سلطان الخير) الأمير الراحل سلطان بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- وكيف كان وزنه وثقله السياسي الدولي ودوره الاجتماعي ليس في الوطن العربي فقط، بل على المستوى العالمي، وطول مسيرته العملية السياسية يمسك بملفات كبيرة، ويديرها بكل احتراف واقتدار ليس له مثيل، وتلك الشخصية كانت تمتلك جانبًا إنسانيا ارتبط وتناغم مع مهابة الزعامة وعلو القدم، تبدأ من ابتسامة ساحرة للجميع لا تستثني أحدًا، كبيرًا أو صغيرًا، غنيًّا أو فقيرًا، وجيهًا أم مغمورًا، مع عطاء لا تحده ولا تكدره كلمة "لا"!.

وهو مع ذلك يعرف قيمة الناس وقدرهم، ولعل كلمته الشهيرة في أهل القصيم: "إذا كانت السعودية جسد فقلبها هو القصيم"، وهي لا تأتي من شخص يطلب انتخابًا أو أصواتًا، وإنما أتت من شخص انتخبته القلوب قبل العقول، ولا تأتي من شخص لا يعرف التاريخ بل هو أحد صناعه!.

تذكرتُ هذا الرجل الكبير بعد سنتين من الثقة الملكية التي أنعمت على القصيم برجل كان أحد المقربين لسلطان الخير هو أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، ففي سنتين من تعيينه أصبح القصيم يعيش زهو الإنجاز، وفرح التطور بمعالجة الكثير من الملفات المؤجلة، والتي تحتاج إلى قرار، ومع القرار شجاعته، ومع القرار متابعته على أرض الواقع مع روح القائد لفريق يحتاج توزيع الأدوار عليه وتشجيعه بشرط الإخلاص والوطنية. وحيث إنه من المعيب ألا يتحدث الإنسان إلا عما عرف وشاهد فأنا رغم عدم تشرفي بالقرب من أمير منطقة القصيم فإنني ألمح الإنجاز الكبير أمامي في عيون الناس وعيون الضعفاء والمساكين الذين شملهم بعطفه وحنانه، وكنت شاهدًا على بعضها، ومن لجان ترفع لنائب خادم الحرمين الشريفين في المنطقة تقارير دورية عن مشاريع متعثرة وقضايا ملحة تحتاج معالجة ومبادرات تحتاج عونًا ومساعدة لشباب وشابات الوطن.

أعلم جيدًا أن الأمير يكره المدح والثناء عليه، لأنه يَعتبر ما قام به واجبًا وشرفًا لخدمة المجتمع والمواطنين، لكن المروءة تأبى -والدِّين قبل ذلك- ألا نقول "شكرًا" يُترجَم إلى دعاء، وثناء يترجم إلى عون واقتراح ما بين (سلطان الخير) و(فيصل الخير).

فهل أعاد الحب نفسه؟! وهل أعادت الابتسامة نفسها؟!.